وصف القرن العشرين بأنه عصر الصراع من أجل المعنى، والمعنى عند سارتر (أن الوجود بدون إله مثير للرعب)، هذا الرجل الوجودي يرى أن على الإنسان أن يصنع معنى لحياته، وهذا يعني الإنسان هو الوارث لعمل الإله بإكساب الحياة معنى.
أنا لست ذلك الفيلسوف الذي يستطيع أن يقيم منجزات المعنى عند "جان بول سارتر" أو غيره من الفلاسفة، لكني أشعر بأن أكثر من شخص يعيش في رأسه الصغير، فهو مؤمن رغما عنه، يرى أن الأخلاق متعلقة بوجود الله سبحانه وتعالى، وشغل الإلحاد إلغاء الخير والشر.
صغار الملحدين يجدون فيه فلسفة الإلحاد، وأنا أجد عنده الحرية تعني الدين، كأن بناءه الفلسفي لا صلة له بالألحاد، فهو يقر بأن الوعي الإنساني ينشا من اختلاط الناس، ولا يمكن للناس أن يستقلوا عن بعضهم في صناعة المعنى، رأيت في رأسه أكثر من واحد، فهو عاش حياته في صراع للفرار من الله، واعلن الحاده وراجت العدمية بسبب كتاباته، وهو الذي عجز أن يقتلع الإيمان من قلبه، يقول (أشعر أني كائن لا يمكن أن يصدر إلا من خالق)، ولم يكن ذلك الشعور مجرد طيف أو وهم، وإنما كان إحساسا قهريا في كثير من أفكار رموزه وفي كتاباته، "سارتر" الصبي الملحد بالله، هو نفسه الرجل المؤمن بالله، فشل تماما في صناعة معنى في وجود بلا معنى، لذلك سرق من المعنى الديني جوهره، لينشئ معنى الحادي، وكذلك (كامو) أيضا، يعيش في أكثر من شخصية في رأسه، شخص منهما يخنق كامو، والآخر كاموا يخنقه، هذا الذي يعد الرجل الثاني للوجودية.
الملحد له آراء غريبة، هل يعقل أن إنسانا يشتهر بالإلحاد، وهو يرى أن الإلحاد يرسم للإنسان صورة بائسة، يرمي الإنسان في الوجود بلا حكمة ولا غاية، حتى يصل إلى مرحلة أن يسأل نفسه، هل هذه هي الحياة جديرة بأن تعاش؟
وهم كبير صنعه كامو لنفسه، ليواجه به حياة بلا معنى، حسب تعبيره، أعظم الوهم أن يلتذ بجهد لإنجاح فيه، مشقة لا راحة بعدها، المعنى الأقرب لهذه الحالة أنه رجل يخاتل نفسه.
أما الكاتبة الملحدة "سيمون دو بوافوار" التي رات موتها فحزنت لعدم وجود الموسيقى واللوحات، لم تجد في قبرها المدن والأشجار، عرفت حينها كم كانت مخدوعة، كانت هذه الفيلسوفة تمتاز بالوقاحة، والصلف، والشراسة في الإلحاد، تثق في إلحادها، عنيدة في مواقفها، الآن صار كل هذا لا يمثله إلا الغباء، والحماقة، انتهى كل أمل أرضي إلى رماد لحظة التفكر في الحياة التي يعيشها الإنسان بقلب ملحد، لحظات قاسية.
أما الفيلسوف "براند راسل" صاحب كتاب (لماذا أنا لست مسيحيا) يقول قصيرة، وبلا قوة حياة الإنسان، يسقط عليه الموت بلا شفقة، وبظلمة، لقد حكم على الإنسان اليوم أن يخسر عزيزا عليه، وغدا يمر هو نفسه عبر بوابة الظلام، هذا الرجل تعلم أن يهرب دائما من نفسه، أن يخادعها، وأن يطلب المثل العليا.
واي مثل عليا في عالم مادي، ليس فيه سوى المادة، والحركة، والعبث، لا معنى في هذا العالم للعدل والرحمة، في عالم إلحادي القيم، في ذاتية مصنوعة، واعتقد أن الفيلسوف "جون مسر لي" هو فيلسوف أمريكي، درس في جامعة تكساس، أكثر جرأة من جميع فلاسفة الإلحاد "جون" يقول (نحن نعيش بلا هدف، ويجب علينا أن ننقذ أنفسنا).
داخت كل فلاسفة الإلحاد في البحث عن المعنى في الحياة، هي حياة بلا معنى، البعض منهم يرى أن كل جهد لصناعة المعنى مجرد عبث، حياة تثير الغثيان، وقسم آخر من الفلاسفة الملحدين فر إلى عالم القيم، إلى عالم هو يرفضه، متى سيعرف هذا العالم المتفلسف، أن لا معنى يمكن أن يصنع إلا من خلال المعنى الذي حدده وشخصه نبي الإسلام "محمد صلى الله عليه وآله وسلم" الذي يقول (ما من شيءٍ أثقل في الميزان من حُسن الخلق)، صنع للحياة.
معنى هو الامتداد الأخروي، بينما الفيلسوف الملحد "بوفال نوح هراري" مؤرخ في الجامعة العبرية في القدس، له حضور إعلامي شعبي كبير، يقول لا توجد آلهة في الكون ولا حقوق إنسان، ولا قوانين ولا عدل خارج الخيال الجمعي للبشر، بينما الإسلام شخص القضية بأبعاد أكثر سموا (لا أمن دون منظومة حياة تحتكم إلى نظم أخلاقية تتجاوز الذوات والشطحات) الإنسان بهذا المعنى بلا خلق، كائن عاجز أن يفلح في دنياه، أو أن ينجو في أخراه، وبالخلق الحسن التابع للإيمان، الحق تحقق الجماعة الأمن النفسي لأفرادها، قال رسول الله "صلى الله عليه واله وسلم" (البر حسن الخلق، والإثم ماحاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) المسلم يعتقد أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان على طبيعته، يدرك الحسن، والقبيح، والطيب، والخبيث، والكثير من الخلق الحسن يهتدى إليه دون وساطة وحي منزل.
(السؤال)
هل من الممكن أن يكون الإلحاد أخلاقيا، وأن يكون الملحد الملتزم بإلحاده أخلاقيا؟
هذا السؤال غالبا ما يطرح، وما يناقش، وبحثت عنه، السؤال عن الملحد الملتزم بإلحاده، لماذا يجب على الملحد أن يلتزم الوفاء لمبادئ أخلاق معينة، حتى عندما لا تكون الأخلاق لصالحه؟
الإلحاد الجديد إعلام، وصخب، ومكتبات، وتيار أخلاقي، كل هذه الشعارات الإنسانية وضعت للطعن في الدين، واتهامه بأنه يسمم كل شيء، الفكرة التي يحملها الملحدون، لن تستقيم البشرية على الخير حتى تترك أوهام الإيمان بإله، وتعتقد أن حياة الإنسان تبدأ في الأرحام، وتنتهي عند لحود المقابر، إذا هم ينكرون أن تكون للأخلاق حقيقة، وكل قيمة يتبناها الإنسان هي اختبار شخصي، وذوقي، وليس حجة له على أحد لمدحه، أو إهانته.
يؤكد الفيلسوف الملحد "مايكل روسي" (إن الأخلاق الجوهرية نوع من الوهم، وضعت فينا قبل حياتنا) و"سارتر" يرى أن الاعتراف بالأخلاق يفتح الباب على مصرعيه للإيمان بالله سبحانه، ويرى الفيلسوف الملحد "ج. ل. ماكي" (إن القيم الأخلاقية تشكل مجموعه من الخصائص والعلاقات لا يمكن أن توجد إلا في كون له الله)


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!