وردت كلمة النفس في القرآن الكريم مرات كثيرة حوالي ثلاثمائة مرة
بمشتقاتها وتركيباتها المختلفة، وهذا يدل على اهتمام القرآن بالنفس الإنسانية وعنايته بها أيما عناية، فالإنسان بدون نفس لا وزن له ولا قيمة، والنفس لا يعرفها إلا الله، ومحاولة الوصول إلى أغوار ها عبث وجنون؛ لانها من الله والله نفخ فيها من روحه ، لكن ما هي النفس ؟ هل هي الروح أم هما مختلفتان؟ إن معرفتنا بالروح تدخل بنا في نطاق ما استأثر الله سبحانه وتعالى بعلمه «ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي » أي من المتعلقات الخصوصية لله، وما هو من أمره سبحانه وتعالى و إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون .وبذلك فإن إرادة الخالق بأن تكون بنا حياة ؛ فكانت الروح لتلتحم بالبدن فتكون الحياة ، ولا تظهر الروح إلا في المادة ،إذن الروح تحتاج إلى المادة ، وحين تلتقى الروح بالمادة توجد النفس . إن علم النفس عند الأطباء اليوم يتكلم عن اعراض تلحق لنفس الإنسانية لكنه لا يفسر النفس، فيتحدث عن الإنتباه وعن الذاكرة وعن الميول الفطرية وعن أشياء كثيرة في علم النفس لكن لا يستطيع هذا العلم أن يعرف طبيعية أو ماهية النفس ، فلا يعرف النفس إلا الله، والنفس هي مدار التكليف من الخالق قال تعالى« وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا» (الشمس اية ٧-١٠)تحدث القرآن الكريم عن أنواع النفس الإنسانية و ذكر منها النفس اللوامة ، والنفس الأمارة بالسوء ، والنفس المطمئنة .فإن خضعت النفس لمنهج الحق أصبحت مطمئنة ، وإذا تمردت على هذا المنهج أصبحت أمارة بالسوء ، وإذا عصت مرة وأطاعت مرة كانت لوامة فهي تطيع ثم إذا عصت تابت وعادت إلى منهج الله فهي لوامة. هذه تقسيمات علماء المسلمين للنفس مستوحات من القرآن الكريم وما كتاب الله إلا منبع وفيض المعارف الكونية. وهناك علماء من غير المسلمين اهتموا بدراسة النفس ، ومنهم سيجمند فرويد الذي يرى وجود الكيفيات النفسية ،الشعور هو (الأنا ) و اللاشعور (الهو ) وما قبل الشعور (الأنا الأعلى) و «الهو» هو ذلك القسم من الجهاز النفسي الذي يحوي كل ما هو موروث، وما هو موجود منذ الولادة، وما هو ثابت في تركيب البدن، وهو يحوي الغرائز التي تنبعث من البدن، و يحوي العمليات النفسية المكبوتة ، إذن هو جزء فطري وجزء مكتسب. ويطيع الهو مبدأ اللذة، وهو لا يراعي المنطق أو الأخلاق أو الواقع ، واللاشعور هو الكيفية الوحيدة التي تسود في الهو. وتحت تأثير العالم الخارجي عن طريق جهاز الإدراك الحسي والشعور . وقد أطلق فرويد على هذا الجزء من حياتنا النفسية اسم «الأنا». ويشرف الأنا على الحركة الإرادية، ويقوم بمهمة حفظ الذات. وهو يقبض على زمام الرغبات الغريزية التي تنبعث عن الهو فيسمح بإشباع ما يشاء منها ويكبت ما يرى ضرورة كبته مراعيًا في ذلك مبدأ الواقع ويمثل الأنا الحكمة وسلامة العقل على خلاف الهو الذي يحوي الانفعالات. وتقع العمليات النفسية الشعورية على سطح الأنا. وكل شيء آخر في الأنا فهو لاشعوري. والأنا الأعلى هو ذلك الأثر الذي يبقى في النفس من فترة الطفولة الطويلة التي يعيش فيها الطفل معتمدا على والديه وخاضعًا لأوامرهما ونواهيهما، ويقوم الأنا عادة بتقمص شخصية الوالدين ومن يشبههما من المدرسين والمربين، وبذلك تتحول سلطة هؤلاء الأشخاص الخارجية إلى سلطة نفسية داخلية في نفس الطفل تأخذ تراقبه، وتصدر إليه الأوامر، وتنقده، وتهدده بالعقاب ، ويطلق فرويد على هذه القوة النفسية الأنا الأعلى أو الأنا المثالي وهو ما يعرف عادة بالضمير.
عند المقارنة بين تقسيمات النفس عند فرويد وعند علماء النفس المسلمين، فإننا نلاحظ أن (الأنا) عند فرويد يشبه ما يسمى بالنفس اللوامة في القرآن، و(الهو) عنده يشبه ما يسمى بالنفس الأمارة بالسوء في القرآن، و(الأنا العلى) عنده تشبه ما يسمى بالنفس المطمئنة في القرآن الكريم وكما نقول بوجود بعض الشبه بين تقسيمات النفس عند فرويد وفي القرآن الكريم، فكذلك نقول بوجود الاختلاف والتمايز بينها أيضا.
وقد بين الدكتور مصطفى محمود ، في كتابه (علم نفس قرآني جديد)،
أن علم النفس عند فرويد قائم على أساس أن المنبع الوحيد للسلوك هو إشباع الشهوة وهي الطاقة التي تصدر عنها جميع ظواهر الحياة عنده ، بينما الدين يقف على النقيض من هذه النظرة، فهو يرى أن قمع الشهوة والسيطرة على النفس هو قمة السلامة،
وأن النفس قابلة للفجور وقابلة للتقوى، بدليل قوله « وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا »( الشمس إية ٧-١٠) فالنفس من منظور القرآن الكريم تستطيع الارتقاء نحو الله جل وعلا، وكذلك تستطيع الهبوط إلى درك المهلكات والشهوات، وهي قابلة للتعديل والتغيير، وأن التوبة والإحساس بالذنب والندم ومجاهدة ميول النفس للشهوة، كلها علامات صحة وفطرة سليمة .
ففي كل إنسان جانبان احدهما مادى يتطلب الطعام والشراب والملبس والمسكن والزواج وما إلى ذلك مما جرت عليه سنة الحياة والجانب الآخر روحى يتطلب صقل النفس وتهذيب الروح ، والاتجاه إلى الله يهذب النفس وينقيها ويصل بها إلى مرتبة التقوى والغلو في أحد الجانبين خروج عن سواء السبيل ، والتقصير في أحد الجانبين تضييع لحقوق يجب أن تراعى، وإهمال لأوامر لها أهميتها ومنزلتها .. ومن هنا كان نداء الاسلام بين المادة والروح معتدلا وقائما
على اساس تنظيم العلاقة بين البدن والروح، وإذا استقام الأمر وانتظمت
الحال انتظمت العلاقات الأخرى وأخذ الانسان طريقه إلى ربه سبحانه وتعالى في اعتدال لاعوج فيه . وفى انتظام لاغلو فيه ولا تقصير.
يرى الدكتور مصطفى محمود أن فرويد قد توسع كثيرا في حكاية الجنس، فجعل من تعلق الطفل بأمه عقدة سماها (عقدة أوديب)، ومن تعلق البنت بأبيها عقدة (الكترا).. فلابراءة ولا طهارة ولا نقاء في أي شيء يراه فرويد، فهو لا ينظر إلى النفس إلا من جانب واحد هو الجانب المادي الحيواني.. هذه النظرة المادية القائلة باستحالة تغيير النفس وتبديلها، فكان من نتائجها الفشل في علاج الأمراض النفسية؛ بخلاف مايراه الدين من إمكانية تبديل النفس وتغييرها جوهريا وإخراجها من الظلمة البهيمية إلى أنوار الحضرة الإلهية و من حضيض الشهوات إلى ذروة الكمالات الإلهية بالرياضة والمجاهدة، لا بالمسكنات والمراهم الخارجية وذروة العلاج النفسى فى الإسلام هو ذكر الله بقلب سليم.
ويختم الدكتور مصطفى محمود قوله عن دراسة النفس الإنسانية عند فرويد، بأن علم النفس الفرويدي قد انتهى إلى الفشل، لأن منطلقاته معظمها خاطئة، وأن أكبر أخطاء هذا العلم أنه ليس علما، بل مجموعة أفكار ظنية، اعتقد من خلالها فرويد أن النفس الإنسانية مادة وجسد يمكن اقتحامه بالتشريح والتجربة، فلا روح هناك ولا ذات ولانفس وتلك هي خطيئة الحضارة المادية.إن الماديين أمثال فرويد نائوا عن القيم الرفيعة والمثل الحية قد ضل سعيهم في الحياة، ويزعمون أنهم يفعلون فعلا حسنا ويقومون بإصلاح في الحياة ، لقد انطبق عليهم قول الله سبحانه وتعالى : ( الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) .
ومن خلال ما تقدم نستنتج لا يمكن لعلم النفس الحديث أن ينجح في التعرف على النفس إلا من خلال معرفة الله واتباع تعاليمه السامية .
..................................................
١-النفس في القرآن الكريم ، احمد عمر هاشم
٢-علم نفس قراني ، مصطفى محمود
٣- الأنا والهو ، سيجمند فرويد

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!