كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

بياضٌ يقاوم العتمة : سردية القيمر في جغرافيا سدّة الهندية

 

 

 

في بلدٍ تتغير فيه الحكومات أسرع مما تتغيّر أسعار الطماطم وتتناوب فيه الوعود على مسامع المواطن كما تتناوب الفصول على شط الفرات، يبقى هناك كيان واحد لم يهتزّ، لم يتراجع، ولم يفقد ثقلَه الشعبي :

قيمر السدّة.

ذلك الكائن الأبيض الذي يمشي بين الناس بلا حماية، بلا مواكب، بلا كاميرات ولا مؤتمرات، لكنه يحظى بهيبة لو فُصلت وحدها لكانت منصب كامل :

منصب الطعم الوطني، أو ربما «الهيئة اللبنية».

ومهما تعددت الأزمات—من كهرباء تتغذى على الإجازات، إلى طرق تحبّ اليوم الماطر لتغيّر شكلها—يبقى قيمر السدّة هو «الخبر الصادق الوحيد» الذي لا يحتاج إلى ناطق رسمي.

_القيمر كائن قبل أن يكون غذاء :

عندما تصل إلى السدّة فجراً، وتختلط رائحة اللبن المتخثر برائحة الطين المبلّل تشعر أنك أمام طقوس قديمة تعود إلى ما قبل قيام الدولة العراقية.

هناك، وسط بسطيات بسيطة، يقف القيمر مثل تمثال ريفي، كأنه “ابن العشيرة” الذي تعرفه الناس أكثر مما تعرف النواب.

_القيمر ليس أكلاً هو فلسفة وجود :

.تراه أبيض، ولا تعرف كم صبرَ للوصول إلى هذا البياض.

. لا يصرخ، لا يحتجّ، لكنه يربّي شعبا على الصبر.

. يأتي من حليب يعود أصله إلى ماشية 

.يعيش أصعب مما تعيش المناصب مجتمعة لكنه ينتج أفضل مما ينتج المنصب.

.وحده القيمر يثبت أن من يعمل بصمت… ينجح بصمت

 لماذا يخاف المنصب من قيمر السدّة ؟

في بلد اعتاد الناس فيه أن يشكّوا بكل شيء : التصريحات، الأرقام، الزيارات الرسمية، الوعود قبل الانتخابات وبعدها… بقي القيمر هو الشيء الوحيد الذي لا يجرؤ أحد على التكذيب بشأنه.

إنه مرآة ناصعة توضّح الفرق بين “العمل الحقيقي” و”الكلام المنفوخ”.

_القيمر لا يخدم أجندة أحد، لا ينتمي لأحد ولا يضع صورته على اللافتات:

لهذا يخشاه المنصب ؛

لأنه ابيض نظيف جداً .

تصوّر معي صاحب منصب يقف ليخطب :

“نعدكم بتحسين جودة القيمر !”

سيموت الناس من الضحك.

لأن القيمر وحده مستقل، لا يقبل توصية ولا يعرف التوسط.

إنه «المنصب الوحيد» الذي يُمنَح بالكفاءة.

اقتصاد القيمر… 

لو تتابع حركة شراء قيمر السدّة كل صباح ستُدهش !

إنه ليس نشاطاً غذائياً، بل حركة اقتصادية مكتملة :

فيه عرض وطلب أكثر صدقاً من سوق العملة.

فيه مضاربات لا تصنع أزمات.

فيه تسعير يفهمه المواطن أكثر مما يفهم ميزانية الدولة.

وفيه رقابة شعبية :

نصف كيلو قيمر مغشوش → إعلان حرب !

كيلو قيمر أصلي → تهدأ النفوس حتى إشعار آخر.

بل إن المواطن قد يختلف حول كل شيء : الدين، السياسة، نادي الزوراء أو القوة الجوية او برشلونة و ريال مدريد … لكنهم جميعاً يتفقون على شيء واحد :

قيمر السدّة هو المعيار للطعم .

_القيمر كعدسة تكشف المستور

إن كنت تريد أن تفهم المزاج العراقي العام لا تشاهد الأخبار بل لاحظ كيف يتصرف الناس في السدّة :

عندما يغرق البلد بالأزمات، تجد الطابور أطول—لأن الناس تبحث عن لحظة أمل أبيض وسط السواد.

عندما تنتشر الشائعات، تجد النقاشات حول “نسبة الدسم” أخف دماً وأصدق من أي برنامج سياسي.

عندما ترتفع الأسعار، يصبح القيمر “ضحية التضخم” الأولى… ومع ذلك يظل مرغوباً أكثر من الاجتماع الحكومي الطارئ.

القيمر باختصار… هو «الأخبار الصادقة للشارع».

_القيمر بين الحنين والهوية :

القيمر العراقي—خاصة قيمر السدّة—ليس منتجاً غذائياً عابراً.

إنه ذاكرة.

ذاكرة أمّ كانت تستيقظ قبل الشمس

وذاكرة أبٍ كان يعود مرهقاً ليغمس رغيفه بصمت

وذاكرة قرية كانت الحياة فيها تُقاس بكمية الحليب لا بكمية الدولارات.

لهذا حين يأكل العراقي قطعة قيمر، يشعر أنه يعود فجأة إلى مكان آمن، مكان لم يخذله يوماً.

_القيمر هو “العراق كما يجب أن يكون”:

بسيط، أبيض، صادق، وممتلئ بالنكهة.

_القيمر في المواجهة :

– تتصدر البيانات.

– القيمر يصدر الطمأنينة.

_قد تخذلك ، بعض الموقف .

لكن القيمر ؟

لا يتغير، لا ينهار .

ولعل أجمل مفارقة ساخرة أن المواطن قد يثق بالبائع الذي يبيع القيمر تحت الشمس أكثر مما يثق بالمنصب.

_لو كان قيمر السدّة منصب :

دعنا نتخيل—تخيلاً ساخراً تماماً—أن القيمر تولى منصب :

_أول قر ار : منع الغش الغذائي إلى الأبد.

_ثاني قرار : توزيع الفطور من القيمر أسبوعياً لتحسين المزاج العام.

_ثالث قرار : تحويل المنصب إلى “منصب الكريمة ”.

_رابع قرار : تطبيق نظام “من يغش القيمر يبتعد عن السياسة نهائياً”.

خامس قرار : جعل البياض شرطاً أخلاقياً لتولي المنصب. 

وستختفي نصف المشاكل … لأن المنصب الذي يأكل قيمر السدّة بصدق لن يستطيع غش الناس.

_القيمر في زمن السوشيال ميديا :

منذ دخَل العالم عصر الصور، والهاشتاغات والفلترات، أصبح كل شيء قابلاً للتزييف… إلا قيمر السدّة.

لا يمكن تزييفه، لا يمكن “فلترته”، لا يمكن تحويله إلى فيديو راقص.

هو يقف هناك، في صحن بسيط، متحدياً كل مظاهر الاصطناع.

بل إن صورة واحدة لقيمر السدّة قد تجلب تفاعلاً أكثر من خطاب كامل.

الناس يريدون شيئاً صادقاً، حتى لو كان صحن قيمر.

_أسرار لا يعرفها إلا أبناء السدة فالبعض يظن أن قيمر السدّة مجرد “شهرة شعبية”.

لكن الحقيقة أن وراءه أسراراً من نوع خاص :

1. قانون الوزن غير المكتوب :

كل كيلو قيمر يُباع وفيه نصف كيلو “محبة”.

2. تقليد الانحناء :

البائع ينحني ليغرف القيمر… كأنه يوقّع معاهدة بياض جديدة كل صباح.

3. قسم الجودة :

هناك قسم غير معلن : “لا أغشّ القيمر ولو بقيت مفلساً”.

4. معادلة السدّة:

القيمر = تاريخ × صدق × تعب × طيبة × بركة أهل العراق .

_خلاصة بيضاء في بلد معقّد

قد يبحث البلد عن حلول كبرى :

إستراتيجيات، خطط خمسية، إصلاحات اقتصادية، مشاريع عملاقة…

لكن الحقيقة الساخرة ؟

أن أعظم ما بقي ثابتاً وناجحاً هو :

قيمر السدّة.

القيمر لا يتحدث عن الإصلاح… لكنه يصلح.

لا يدّعي الوطنية… لكنه يمارسها.

لا يعد بشيء… لكنه يقدمه.

لا يرفع شعاراً… لكنه يقف شعاراً.

هو المثال الوحيد الذي يثبت أنّ العراق رغم كل شيء، قادر أن ينتج شيئاً ابيضا ناصعاً صادقاً، صافياً، يليق به…

حتى لو كان على شكل صحن صغير يُغمس برغيف.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!