كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

(مذكرات أقدم مدرس تاريخ في كربلاء الأستاذ عبد الرزاق الحكيم) (التل الزينبي في حديث غير سياسي)

(مذكرات أقدم مدرس تاريخ في كربلاء الأستاذ عبد الرزاق الحكيم) (التل الزينبي في حديث غير سياسي)

 كنا في جلساتنا لا نفتح أي باب من أبواب السياسة، ولا نتحدث بأي شيء خارج موضوع كربلاء، والأستاذ عبد الرزاق الحكيم رغم إنه مثقف سياسيا إلا أنه يتجنب الحديث عن أي موضوع يمس الدولة، فما الذي تغير؟

بدأ الحديث عن مقام التل الزينبي، وهذه ليست المرة الأولى التي يكون التل الزينبي موضوع نقاش بيننا، كون الموضوع كبير وله تفرعات كثيرة، فقال الأستاذ أبو ثامر كان المقام عبارة عن مشبك صغير مصنوع من البرونز الأصفر، ملصق بجدار بيت عبد الرضا السادن، وهو من آل طعمة، تقول الروايات أن هذا الرمز مشيد في الثلاثينات من القرن العشرين، وتعلو المشبك أبيات من الشعر كتبت على القاشاني، والزخارف، وصورة لمعركة الطف، والرواية تقول أن الشيخ محمد الواعظ اليزدي تصدى لبناء المقام وجدد الشباك من قبل المرحوم عبد الحسين جعفر، وتتحدث الروايات عن المرحوم الحاج عباس الوكيل، اشترى الدار من السيد عبد الرضا وجعلها للمقام
وقال، إن أول من تولى هذا المقام السيد أبو القاسم اليزدي، ثم قام برعاية المقام الشيخ صالح الكشوان، ثم الحاج عبد الأمير عبيد، ثم جاء من بعده ولده الحاج سعد.
توقفت كثيرا أمام هذا الحوار لكوني لست مؤرخا، وإنما أنا أنقل تلك الجلسات المثمرة مع رجل التاريخ للاستفادة من علمه وخبرته، قلت أستاذ الكثير من الناس ينقل لنا أن الحاج عبد الحسين جيته، وهو تاجر شيعي باكستاني من تجار البصرة، قد قام بتشييد التل الزينبي في كربلاء المقدسة، ويقال إنه هو من اشترى الدار وشيدها مقاما.
يبدو أن الموضوع من هذه النقطة أخذ الطابع السياسي.
 فقال لي الأستاذ ليس هذا وحده، بل وهو الذي شارك بأموال طائلة في تعمير مرقدي السيدة زينب والسيدة رقية في سوريا، وهو الذي شيد مقام رأس الإمام الحسين عليه السلام في القاهرة.
قلت يا الهي الأمر كاد يكون غريبا، ربما معظم من يقرأ اليوم يجهل عقدة الحكاية، وخاصة الشباب
قال: ـ كان وجود الشعائر الحسينية في البصرة يعتمد على ثلاث مرتكزات (الأول) الأسر الدينية (الثاني) التجار و(الثالث) الشباب الحسيني المتحمس لنصرة سيد الشهداء.
في عام 1969م أعدم الحاج عبد الحسين جيتة بتهمة التجسس لإسرائيل في مسرحية ابتكرها النظام اللعين لتصفية، من يرى فيهم النهضة الحسينية ضمن سياسة إقصاء التجار الشيعة تحت شعار سياسة التأميم ومصادرة أموال العديد من التجار، وتكررت الحالة بحجه التبعية، قلت أسأله:
ـ كيف لي أن أميز المعروض في الإعلام عن الحقيقة؟ عرفني حينها على كتاب الدكتور علي القريشي.
وأنا أكتب الموضوع اليوم أرى أن هذه المحاورة كان يمكن أن تعد من الأمور المختصة بالشأن السياسي أيامها أما اليوم فهي موضوع من مواضيع نصرة شعائر الحسين عليه السلام، تعرفنا بعض أساليب الحزب المنهار لمحاربة أهل النصرة الحسينية في كل مكان، والبصرة كانت مركزا مهما للتجار والمستثمرين ومنهم عبد الحسين جيته، وكان فيها أبرز الموانئ في المنطقة، ووجهة لتجاره الهنود الراغبين بزيارة العتبات المقدسة، وكانت له نشاطات دينية واجتماعية، وهي امتداد لنشاطات وسلوك تجار الخوجة من الهند والباكستان.
قلت هذا يعني أنه كان يقدم خدمات متميزة، ولهذا استهدف بهذه التهمة القاسية؟
قال نعم، كان يقيم مجالس العزاء الحسيني والمحاضرات الرمضانية بحضور كبار خطباء المنبر الحسيني وتأسيس المواكب الحسينية وتشييد المساجد الكبرى، والحسينيات، شيد حسينية في منطقه الداكير، حسينية الغدير، كان يحاضر فيها الشيخ الوائلي رحمه الله، وهذه الحسينية هدمها الحزب، وتم تسويتها بالأرض بعد إعدام الحاج حسين جيته، وبنى مسجد الفيصلية (الجمهورية) في مطلع الخمسينات وجامع القرنة الكبير، بناه الشيخ محمد حسن المظفر بمساحه 80 متر، فبادر الحاج إلى توسعته، وشيد مسجد الهارثة، ومسجد الفاو، و تشييد التلة الزينبية، والمراقد الأخرى، وساهم في بناء مشروع جامعة الكوفة الذي رفضه البعثيون.
قلت على ما يبدو أن محاربة التجار بهذا الشكل ضد التمويل للفعاليات الدينية، المعروف عن الحاج لم يكن لديه أي نشاط سياسي وهناك اعترافات كثيرة لرجال السلطة بعد 2003م تكشف مثل هذه التصفيات المقصودة لهدم مرتكزات الشعائر الحسينية.
سألت وما هو موقف المرجعية المباركة من إعدام الحاج جيته وخاصة أن الرجل باكستاني لا بد أن يكون للحكومة الباكستانية حضورا أيضا

أجاب الأستاذ عبد الرزاق الحكيم إن مرجعية النجف الأشرف المباركة، أعلنت موقفها الرافض، واعترضت بشدة ضد القرار، وأما هذا الرفض المرجعي الذي أحرج الحكومة البعثية، وأرسلت الحكومة وفدا إلى مقر إقامة السيد الحكيم، فقال السيد مخاطبا الوفد (كيف تتهم الناس بهذه السهولة بالجاسوسية) وتم مصادرة أملاكه من أراض زراعية وعقارات ومحال ومكابس تمور ومخازن، وبيعت في المزادات غير العلنية ليشتريها رموز النظام أنفسهم، أخيرا أرى أن حديثنا لم يكن عن رجل سياسة، بل كان عن رجل شعائر مواكب حسينية.
ومن أعماله شيد الكثير من المنازل للزائرين في المحافظات المقدسة، أما الحكومة الباكستانية فلم تتدخل، ولم يتدخل زعيم باكستان، وكأن القضية لا تعنيه.
وبعد الإعدام دفن في مقبرة وادي السلام، ورفع البعثيون لافتة على القبر باللون الأحمر كتبوا عليها هذا قبر جاسوس، نفس سلوك بني أمية لعنهم الله، انتهت المحاورة وما زلت أشعر أن الموضوع لم يتجاوز كربلاء وهويتها.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!