
عام طويت فيه صفحة منظومة أمنية استبدادية حكمت الشعب السوري بقبضة حديدية طيلة خمسة عقود. نظام قمعي هيمن بالخوف والرعب وروايات المعتقلات،كما فعل نظام البعث الدكتاتوري في العراق(1968-2003) . انتهى عام دون الأسد، ولكن أيضاً دون تحقيق الحرية المنشودة.
الثامن من ديسمبر, كانون الأول من العام الماضي 2024 كان حقاً يوماً مفصلياً، اليوم الذي شعر فيه معظم السوريين بوحدة حقيقية، حيث كانت النشوة التي ولّدها ذلك اليوم نقطة مضيئة لا تُنسى. إنه يوم لم يعكس فقط انهيار نظام اعتبره العالم واحداً من أبشع الأنظمة في التاريخ الحديث، بل مثّل كذلك رسالة ملهمة بأن الحرية ممكنة حتى في أحلك الظروف.
لكن، مع الأسف، ما تلى ذلك اليوم لم يحتفظ بنفس النقاء الذي أشاعه. إذ سرعان ما بدأت تظهر الانقسامات التي ظل القمع يخفيها لعقود. ومع تلاشي أثر الاحتفالات، برزت الخلافات بين مختلف مناطق البلاد: دمشق من طرف، الساحل من طرف، والجنوب من طرف آخر. وفي ظل تطلعات "قسد" المعقدة وعلاقاتها مع الحكومة الانتقالية، أصبحت ذكرى السقوط هي الرابط الوحيد الذي يوحد السوريين.
في العام الأخير، سالت الكثير من دماء الأبرياء في سوريا، وكانت الأقليات أكثر من عانوا النزيف. أما الأمهات السوريات فلم تتوقف أحزانهن، سواء لفقدان الأبناء أو الانتظار المستمر لمعرفة مصير المختفين قسرياً وسط حالة من الجمود والاتهامات بالتقاعس في ملف العدالة الانتقالية. والأكثر إيلاماً هو ظهور أسماء ارتبطت بانتهاكات وجرائم الحرب علانية دون أن تتم محاسبتها.
وعلى الصعيد الاقتصادي، رغم بعض التحسن الطفيف، لم يشهد الوضع انتعاشاً حقيقياً, الانتقال كان فقط من حالة السقوط الحر إلى مرحلة "وقف النزيف". المؤشرات الاقتصادية أظهرت انخفاضاً في التضخم وتحسن قيمة الليرة بشكل طفيف، إلى جانب بدايات تعافي في الطاقة والزراعة. لكن الواقع القاسي يبقى ماثلاً: الفقر يعصف بحوالي 90% من السكان، إعادة الإعمار تحتاج استثمارات ضخمة تصل لمئات المليارات، والسيولة محدودة والرؤية المستقبلية غائبة.
أما على مستوى السياسة والأمن، فقد ظلت البلاد تواجه اضطرابات عميقة. كان للمجازر المروعة التي شهدها الساحل في مارس 2025 وأحداث السويداء في يوليو الماضي تأثير شديد على المشهد الوطني. في الوقت ذاته، تعيش سوريا تناقضاً غريباً بين انفتاح دولي غير مسبوق وبين عودة بعض الممارسات القديمة مثل المحسوبية والهيمنة على مؤسسات الدولة، ما يثير تساؤلات عن حقيقة التغيير ومستقبل البلاد.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!