
تتوالى المواسمُ العظيمةُ شأنًا، وتمرُّ بساحتنا الأيامُ الزاكيةُ فُسحةً، ولعلَّنا فيما خَلا لم نُحققْ فيها إنجازًا ملموسًا، أو قُربًا حقيقيًا من الذاتِ الإلهيةِ المقدسةِ، أو نكسبْ عنايةً خاصةً من وليِّ عصرنا (عجل الله فرجه). ومن هذا المنطلقِ؛ نحنُ الآنَ مُقبلونَ على مِيقاتِ اللهِ السماويِّ؛ أشهرٌ تفيضُ كراماتٍ وسُموًّا: رجب، وشعبان، ورمضان. فلتكنْ نيتُنا من الآنَ هي التغييرُ الجذريُّ، لندخلَ رحابَها بقلوبٍ مُهيأةٍ للانطلاقِ نحوَ الأفقِ الأسمى.
إنَّ الوقوفَ بين يدي هذه العظائمِ يتطلبُ استعدادًا فكريًا وقلبيًا فائقًا، فكما تستنفرُ الحواسُّ والجهودُ لتهيئةِ مكانِ استقبالِ الضيوفِ، فإنَّ ضيافةَ اللهِ أَوْلى بالتهيئةِ والاستبشارِ. وقد ورد في المأثورِ أنَّ شهر رجبَ سُميَ بهذا الاسمِ لأنَّ الرحمةَ تصبُّ فيه صبًّا، وأنَّ شهر شعبانَ تتشعبُ فيه الخيراتُ والأرزاقُ، وصولًا إلى شهر رمضانَ الذي يَرْمَضُ الذنوبَ؛ أي يحرقُها بطُهرِ العبادةِ وحرارةِ الصيامِ.
إنَّ التقصيرَ الذي شابَ صيامَنا وقيامَنا في الأعوامِ الخاليةِ، وفقدانَ السكينةِ في مناجاةِ الجوشنِ أو لوعاتِ السحرِ، يستوجبُ منا اليومَ عزمًا أكيدًا. فالحقيقةُ الجليةُ هي أنَّ مجردَ العزمِ على التغييرِ في هذه الأشهرِ النورانيةِ يُعدُّ إنجازًا كبيرًا وفتحًا مبينًا.
ويصفُ الشيخ حبيب الكاظمي هذه المنزلةَ بقوله:
«إنَّ هذه الأشهرَ الثلاثةَ: رجب وشعبان ورمضان؛ هي أشهرٌ مصيريةٌ بالنسبةِ لنا!.. فربُّ العالمينَ الذي هَندَسَ الوجودَ، عَلِمَ أنَّ بني آدمَ مُقصّرٌ في عمله؛ فجعلَ لعالمِ الأرواحِ ربيعًا هو هذه الأشهرُ، وهي مواطنُ النظرِ إلى بهجةِ اللهِ تعالى، وقمةُ البهجةِ فيها تكونُ في الليلِ».
فيا فوزنا إنْ كنا عِبيدًا للهِ حقًّا، صائمينَ وقائمينَ صِدقًا، ومن أهلِ الأسحارِ الذينَ تلهجُ ألسنتُهم بدعاءِ الافتتاحِ والبهاءِ والجوشنِ؛ لنستحقَّ لقبَ "أهلِ اللهِ" في شهرِ اللهِ.
والأهمُّ من ذلكَ كُلِّه؛ أنْ نُخلصَ العبادةَ للهِ سُبحانَه، آخذينَ فُسحةً من العُزلةِ عن كُلِّ ما يُكدرُ صفاءَنا الإيمانيَّ، موازنينَ بينَ واجباتِ الدنيا وحقِّ هذه الأيامِ المعدوداتِ؛ لكي نمنحَ الجانبَ الروحيَّ الوقتَ الأكثرَ والجهدَ الأكبرَ.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!