لَقَد وهبَ الدّين الإسلامي المرأةَ مكانةً خاصة، وأولاها الرّعاية والاهتمام، بطريقة مختلفة، عن كلّ ما جاءت به الشّرائع والأديان السّابقة، إذ "حفظ الإسلام للمرأة إنسانيتها الكاملة وكرامتها كأنثى وساوى بينها وبين الرّجل من حيث البناء الرّوحي والعبادي والسّلوكي تشاركه في منظومة القيم والمعنويات، ولا تختلف عنه في الكمالات الإنسانيّة إلا كما يختلف الرّجل نفسه عن غيره من الرّجال، بل نجد أنّ المرأة أخذت حيزًا مهما في مسيرة النّور والهداية وشاركت الأنبياء والأئمة في التّضحية والصبر جنبًا إلى جنب وتفوّقت على الرّجال في مواضع عديدة حتى جعل القرآن مثلًا للذين آمنوا من الرّجال والنّساء على السّواء، قال تعالى: ﴿وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون﴾".( )
لقد حفل التّاريخ الإسلامي بحضور المرأة اللافت، إذ كان للعديد من النّساء أثر واضح في دعم الرّسالة الإسلاميّة، كالسيدة خديجة (عليها السّلام) التي آزرت النّبي محمد (صلى الله عليه وآله) في دعوته الكريمة، والسّيدة الزّهراء (عليها السّلام) التي ساندت أمير المؤمنين (عليه السّلام)، وكذلك نجد أم البنين (عليها السّلام) وما أدّته من مساندة و وفاء وتضحية لآل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولذلك نرى تمثيل الشّعراء لشخصية أم البنين (عليها السّلام) في مظاهرها المتنوّعة، ومنها:
1- العاطفة والأمومة: انمازت شخصيّة أمّ البنين (عليها السّلام) بشرف النّسب وطيب الخصال، ما جعلها صفحة مشرقة من صفحات التّاريخ الإسلامي؛ فضلًا عمّا بذلته من تضحية وفداء في الأبناء؛ من أجل إعلاء كلمة الله، حتّى غدت القدوة في وصول المرأة المسلمة أعلى مراتب الإيمان، ولاسيّما الصّبر والرّضا والتّسليم لأمر الله وقضائه.
ولأنّ مشاعر الأمومة من أهم المشاعر التي تتجسّد عند المرأة، نلحظ وقوف الشّعراء على هذه الصّفة، وما يتبدى خلفها من صبر وثبات، إذ قدّمت "أمّ البنين" أبناءها إلى ساحة الجهاد جملة، مع ما تحمله بسببهم من فخرٍ وعزّ، إلا أنّها حثّتهم على المضي قُدمًا في نصرة أخيهم "الإمام الحسين عليه السّلام"، بل رأت أنّه أولى منهم بالحياة، مما يوحي بمعرفة هذه السّيدة أمورًا أكثر بعدًا من أمور التّضحية من أجل رابط الدّم والقرابة، ولذلك نرى الشّاعرَ معبّرًا عن ذلك بقوله:
"وإنْ ذَكروا عَزاكَ ذَكَرتُ فِيهم شـَجَا أُمّ البنينِ ولستُ سَالِ
وَلَو أنّ الأناَم جَفَتْك طُرًا كَفَاكَ نحيبَهَا عَن كلّ غَالِ
فَدَتك بأربعٍ كالمُزْنِ جُودًا وأمثالِ الصّواعقِ في النّزالِ
تخالُ بهم عليًّا يومَ أحدٍ وحمزةَ يومَ تقصيفِ العَوالي"( )
يقفُ الشّاعر(محمد الحرزي) على دور "أُمّ البنين عليها السّلام" في التّضحية والفداء، راسمًا صورة عميقة تبين موقفها تجاه بنيها، دامجًا بين مشاعر الأمومة وعظم التّضحية، إذ لم يكن أولئك الرّجال الأربعة كبقية الرّجال، لما عرفوا به من كرم وسخاء، وبأس شديد، حتى أن من يراهم يتوسّم بهم تلك الشّخصيات التي برقت في ساحات القتال ك(علي وحمزة)، وفي هذا النّص تطغى اللّغة الشّعرية عن طريق التّشبيه وصوره العديدة، (فدتك بأربع كالمزن جودًا)، (وأمثال الصّواعق في النزال)، (تخال بهم عليًّا يوم أحد)، (وحمزة يوم تقصيف العوالي)، ولعلّ الشاعر عمد على استعمال صور تشبيه أربعة لتوافق عدد أبناء أم البنين عليها السّلام، فضلًا عن الاستحضار التّاريخي للأسماء والوقائع، إذ أظهرت الأبيات مقدرة الشّاعر على الرّبط بين أبناء "أم البنين عليها السّلام"، والأبطال السّابقين لهم وهو والدهم "علي ابن أبي طالب"، وكذلك "الحمزة بن عبد المطلب"، مما عزز قيمة المديح و وقعه، إذ "إنّ الأداء الخاص لأي منشئ يعد علامة مهمّة تضعه في سلّم الرقي التّعبيري، فربّما تجاوز الآخرين بتميز، وربّما ساواهم أو لم يلحق بهم، فالأداء ينهض على اللّغة التي هي مادة الأسلوب، فبوساطة المقدرة على تطويع اللّغة في سياقات تركيبية مقصودة يتحقق الأسلوب المتميّز، لأن الاغتراف من اللّغة بأسلوب خاص يظهر سمة الإبداع، فضلًا عن تركيز حدسه في أمر يود الحديث عنه"( ).

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!