كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

المقاومة من موقع الدفاع الاضطراري إلى موقع الشراكة في صناعة الدولة.

المقاومة من موقع الدفاع الاضطراري إلى موقع الشراكة في صناعة الدولة.
 بعد أن أدّت المقاومة دورها التاريخي في لحظة الخطر، تبدأ الدولة اليوم طورها الطبيعي التالي؛ طور تثبيت السلطة السيادية عبر توحيد السلاح تحت مظلتها. وهذه الخطوة لا تمثل تراجعاً عن منجزات المقاومة ولا تنازلاً عن مبادئها، بل هي انتقال محسوب من مرحلة الضرورة الاستثنائية إلى مرحلة القيادة المؤسسية الواعية.
لقد استطاعت المقاومة العراقية، خلال سنوات المواجهة، أن تحمي الدولة من الانهيار، وأن تسهم في استعادة القرار الوطني، ثم
...ثم نجحت في تحويل هذا الدور الميداني إلى حضور سياسي مشروع، نال ثقة المجتمع عبر صناديق الاقتراع، فحازت ثقلاً دستورياً وازناً داخل مجلس النواب، بلغ حد امتلاك القدرة على التأثير في القرارات المصيرية. هذا التحول لم يكن مكسباً حزبياً بقدر ما كان تعبيراً عن انتقال المقاومة من موقع الدفاع الاضطراري إلى موقع الشراكة في صناعة الدولة.
واليوم، فإن الجدل الوطني الدائر حول تنظيم السلاح وحصره ضمن إطار الدولة لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا المسار التاريخي المتكامل، بل يأتي كحلقة متقدمة ضمن مشروع وطني أشمل لإعادة بناء المنظومة الأمنية على أسس سيادية راسخة. وهو مسار تم التنظير له بوضوح ضمن رؤية "حكومة المهام"، ولا سيما في ما يتعلق بإعادة الاعتبار لمفهوم القيادة العامة للقوات المسلحة بوصفها المرجعية العليا للقرار الأمني، بما يحفظ عقيدة المقاومة من التوظيف السياسي، ويصونها من الاستنزاف، ويضمن اندماجها في معادلة السيادة لا خارجها.
ويترافق هذا التوجه مع استحقاقات سيادية لا تقل أهمية، في مقدمتها إنهاء مهام التحالف الدولي، وتفكيك البنى الأمنية المؤقتة التي فرضتها ظروف الحرب، وعلى رأسها قيادة العمليات المشتركة، تمهيداً للانتقال إلى قيادة وطنية موحّدة، تمتلك القرار والاتجاه، وتعبّر عن إرادة الدولة وحدها.
وفي هذا الإطار، يبرز موقف رئيس مجلس القضاء الأعلى، الدكتور فائق زيدان، بما يحمله من ثقل دستوري وقانوني، باعتباره ترجمة مؤسسية للموقف المرجعي الواضح لسماحة السيد السيستاني، الأمر الذي أفضى إلى تفاعل مسؤول من قادة الفصائل، الذين أدّوا واجبهم التاريخي في أصعب المراحل، ويدركون اليوم أن حماية الدولة تقتضي الانتقال من منطق السلاح إلى منطق القانون.
هكذا تُصاغ الدول في لحظات التحول الكبرى؛ لا عبر كسر التوازنات، بل بحسن إدارتها، ولا بإلغاء الأدوار، بل بتحويلها إلى مؤسسات فاعلة. وما يبدو اختلافاً في وجهات النظر إنما يقتصر على توقيت الخطوات وتسلسلها، لا على جوهر المشروع، إذ يلتقي الجميع عند أولوية السيادة، وصون الشعب، وحماية المقدسات، ويبقى الطريق واحداً وإن اختلف ترتيب مراحله.


التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!