تعالت أصوات من خارج وداخل تونس، مستنكرة ومنددة باتفاقية عسكرية وأمنية، أبرمتها حكومتنا مع اشقائنا في الجزائر الحبيبة، وهي اتفاقية جديرة بالتنويه والإشادة، بدل التشكيك فيها والإدانة، على أنها خطوة عملية شجاعة في إطار التعاون العسكري بين البلدين الشقيقين، بما تستوجبه الحاجة الملحة في حماية الحدود المشتركة، وضبط جوانبها الأمنية، بصورة تؤمنها من أي اختلال أو ثغرة تلوح فيها، يستغلها العابثون بالسلم في بلداننا، لإطلاق التهديدات الإرهابية التي تظهر من حين لآخر، حسب مخططات الضغط على دولنا واستنزافها أمنيا، ولا تبدو الأصوات المشككة في جدواها صادقة، فأصحابها ليس لهم وطنية أبدا، والا لما تجرؤوا على تخوينها، إنما هم شرذمة عملاء يتكلمون بلسان فرنسا وأمريكا، ويعبرون عن قلق شديد وانشغال بالغ إزاءها، وهي من الإتفاقيات التي من شأنها أن تعزز أمن الحدود، ولا ترقى إلى ما يدعون من تحريض، وتسهم في بناء شراكة حقيقية بين بلدين شقيقين، من شأنها أن تفتح مجالا واسعا في التعاون الثنائي الشامل، وتعطي مثالا حيا للتوافق السياسي والأمني بين الشعبين الشقيقين تونس والجزائر، يشجع بقية البلدان العربية والإسلامية على النسج على منواله، ومن يدري لعلها لبنة من لبنات الوحدة التي تتوقها شعوبنا، بعد يأسها من مشاريع وحدة سابقة لم يتحقق منها شيء، وكانت مجرد شعارات جوفاء، بقيت بلا تنفيذ، وفرنسا هي إحدى عوائق تنفيذها.
ليس العجب في أن تتصدى فرنسا بوسائلها الإعلامية الخبيثة، لاجهاظ أي مشروع تقارب ووحدة بين شعوب المغرب العربي، فسياسة فرق تسد طالما انتهجتها فرنسا ودول الغرب الإستعمارية، والشر من مأتاه لا يستغرب، لكن العجب أن ينخرط تونسيون في التآمر على الدولة، وهم يعلمون جيدا أن فرنسا ودول الغرب لا يريدون لنا الخير، مهما قدمنا لهم من تنازلات، وإن أظهروا وجها من التعاون معنا، فهو يخفي حقيقة عدائهم المتأصل لنا، هؤلاء المتشدقين بالوطنية الزائفة، المهزوزة شخصياتهم والمتلونة مواقفهم، أثبتوا أنهم غير جديرين بالإنتماء لتونس، هم فرانكوفونيين أكثر من الفرنسيين أنفسهم، خدم أذلاء لمنظومة الغرب، يطلبون الرضا من الأعداء، عوض الإنخراط في خدمة الوطن، وما يعنيه ذلك من وفاء لماضيه وحاضره ومستقبله.
وما العيب في إبرام اتفاقيات من هذا النوع، والطرف المتفق معه بلد شقيق، تقاسمنا معه التاريخ والدين والعرق والنضال، ولم نرى منه سوءا أبدا، وتربطنا به مصالح مشتركة، وشعبينا يتوقان إلى بناء علاقات أعمق وأشمل، من شأنها أن تعود بفوائد جمة علينا، وأستغرب من هذه الأصوات الناشزة، كيف تجرؤ على اتهام تونس أو الجزائر بما لا يمكن أن يصدر من أحدهما، حتى على سبيل الإحتمال، ذلك أن الحكومتان حريصتان على تحقيق أقصى رغبات وآمال الشعبين، في الأمن والتقدم الحضاري والتعاون المشترك، والجزائر حكومة وشعبا أهل للثقة التامة والتعاون الوثيق.
هذا، وليس مشروع وحدة المغرب العربي ببعيد عنا تاريخيا، وكانت العقبة التي اعترضته وأفشلته، هي القوى الغربية التي ازعجها أن تتوحد دولنا، في إطار يضمن لها الإستقلال التام عن الغرب، والتخلص من آثار تبعيته، التي لم نجني منها سوى التخلف والخسران، إن من شكك في مصداقية الحكومة الجزائرية وحسن نويتها تجاهنا، مثله كصائح في واد سحيق تردد صداه الجبال بلا أثر مفيد، فلا الجبال تصدعت، ولا الصوت بقي يتردد مكانه، وسيبوء الآثمون بإثمهم.
وتكرر الأصوات الناشزة، محاولاتها كلما جد حدث ليستغلوه عكس ما يرتجى منه، بما يصب في صالح دعاة عودة تونس إلى المربع الأول، من التبعية للإستعمار الفرنسي أو الأمريكي، وهما يسعيان منذ زمن في مخططات تفريق وتفتيت الاوطان، فما يجري في السودان واليمن دلائل على سوء أعمالهم، وصرعة عملائهم اتجهت إلى التعلق بأذيال أعداء الأوطان، منذ أن انكشفت وجوههم عن قناع التبعية الجديدة، وهي وجوه قبيحة مزينة بزينة الثقافة الغربية والتبرير بأوهام الغرب.
المقال نشرته جريدة لوفيغارو الفرنسية Le Figaro ذات النزعة الإستعمارية الحالمة بعودة حقبة هيمنتها على كامل المغرب العربي، يوم الجمعة 26 ديسمبر 2025 ص5 بقلم او ترجمة سارة التومي، خلاصته تحريض الشعب التونسي ضد إتفاقية أمنية، نحن جميعا بحاجة أكيدة لتفعيلها، وهي بحالها الذي أنشأت به، فاتحة خير وعامل أمن لو التزم الطرفان به، يجسد تعاونا مشتركا، ووقوفا في وجه مؤامرات غرب استعماري، لم يتوقف عن إيذائنا بطرق مختلفة.
اتفاقية عسكرية لم تعجب الذين تصايحوا ضدها بالتخوين، رأوا فيها حسب عقولهم المريضة، مساسا من سمعة البلاد، وتضعيفا لجانب قدرتها على حماية ترابها، مصنفين إياها خطيرة جدا، ومسّ مباشرة سيادة تونس وأمنها القومي، ويطرح أسئلة كبرى حول اتفاق أمني مع الجزائر، معتبرين أنه تمّ في ظروف غامضة، وخارج الرقابة البرلمانية، وهو تهويل رفع من سقفه كل الذين شككوا فيه، ولو كان الطرف المبرم له فرنسيا أو أمريكيا للجميع الذين تصايحوا منه
إن أشد ما يخيف هؤلاء الطاعنين في الإتفاقية نجاحها، وتأكيد ضرورتها وجدواها، ونحن نعيش في عالم تشكلت فيه تحالفات أمنية وعسكرية عديدة، لا تربطها ببعضها سوى مصلحة بعينها، وهي التعاون في مواجهة آفة العصر الإرهاب المجتاز للحدود بين البلدان،هذا الإرهاب الذي يهدد الأمن والسلم العالمي هو صناعة أمريكية بتواطؤ غربي، فكيف لامريكا أن تجهز على صناعتها؟
مهما قيل بشأن الاتفاقية التونسية الجزائرية الأمنية، فلن يفل ذلك من عزم الشعبين على تجاوز عقدة التبعية، وحبذا لو تنسحب تونس والجزائر نهائيا من منظمة الدول الفرنكوفونية، ونتخلص من لغة فرنسية لم يبق لها مجال للانتشار امام اللغة الانكليزية، عندها فقط بإمكانها القول بأننا خرجنا بلا عودة من تحت استعمار، مازال يطل علينا بلغة لا قيمة لها أنام لغة العلوم والمعارف الحديثة.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!