ما معنى ملحمة أمير المؤمنين (ع) الخالدة : " فزتُ وربِّ الكعبة " إبّان ضربة الشقي ابن ملجم حالَ سجود صلاة فجر التاسع عشر من شهر رمضان سنة ٤٠ هـ ، وقد تلاها هتاف السماء بصوت الأمين جبرئيل (ع) : " تهدّمت والله أركان الهدى " ؟
ظاهرُ نصّ الأمير (ع) : الربح ، وظاهر نصّ الأمين (ع) : الخسارة . إذن عندنا ربحٌ وخسارة ظاهريّان ، يعني :لدينا تباينٌ وتناقضٌ ظاهريّان ، فكيف يجتمعان ؟
لاخلاف في أنّ المولى (ع) قد كسب المراد ونال ما بشّره به رسول الله (ص) ، فحلّت الموعدة التي كان ينتظرها (ع) بفارغ الصبر والاشتياق ، وهو القائل : " والله إنّ ابن أبي طالب لآنس بالموت من الطفل بثدي أُمّه " ، وفي ذلك ربحٌ عميقٌ لايخفى على ذوي الألباب النيّرة والعقول المتدبّرة .
كما لاريب أنّ استشهاده (ع) خسارةٌ فادحةٌ لاتعوّض أبدا ، وهو الذي لايدرك سرّه ومنزلته العظمى سوى الله العليم ونبي الهدى الكريم ، وأوضح مايمكننا معرفته عنه (ع) : أنّه الامتداد الحقيقي للرسالة والرسول ، بمعنى آخر : هو الولي الديني والوصي الإلهي لخاتم الأنبياء والمرسلين ؛ بدليل تواتر النصوص ، بل بشهادة دراية غدير خمّ المتحقّقة بحضورٍ تاريخيٍّ ناهز المائة ألف مسلم آنذاك ، عقيب الفراغ من حجّة الوداع الذائعة الصيت ، إلى ذلك : فحديثُ الثقلين - المتواتر تواتراً ذهبيّاً - متلألئٌ شامخٌ في كتب الفريقين كما لايخفى ؛ فرحيله (ع) خسارةٌ بكلّ ما للكلمة من معنى ومفهوم .
وربما يمكن تأويل هذه الخسارة ومفهوم الانهدام الوارد في قول الملَك جبرئيل (ع) بمايلي : إنّ المراد من الانهدام المذكور هو الانهدام الحضوري المادّي العيني ، لا الغَيبي المعنوي الروحي ، بعبارةٍ أدقّ : إنّ عليّ بن أبي طالب (ع) إنّما غاب عنّا بدناً ولم يغب قيَماً ومبادئاً وولايةً ، فالإسلام الأصيل محمّدي الحدوث علوي البقاء ، ولازال يرقى ويسمو على الدوام ، وأدلّ دليلٍ على الشيء وجوده الفاعل ، خصوصاً بهذا الزخم الميداني النابض طيلة القرون ، فهذا الإسلام الزاحف رغم تلك الفترات ، كفترة الصمت العلوي الحكيم في ربع القرن الشهير ، مروراً بسنيّ الخلافة الأربع وماتخلّلتها من أحداث ومآسي ، وخيانات وعداءات القاسطين والمارقين والناكثين ، وماتلاها من آلام ومعاناة تحمّلها أهل البيت (ع) وأتباعهم طيلة الحقب و الأعوام السالفة حتى يومنا الحالي .. نجده قد اخترق العقول والقلوب برقم قياسيٍّ مثير ؛ لإثباته أنّ الفكر العلوي هو أنجع سبيل لتحقيق أهداف وغايات الدين السماوي العظيم .
إنّ ظلامة أمير المؤمنين (ع) التي انسحبت إلى ما بعد استشهاده (ع) عبر أدوات السبّ والشتم والتضليل والحذف والترويع قد رشحت مردوداً إيجابيّاً للمآلف وسلبيّاً للمناوئ ، وذلك بفضل الإسناد الغيبي والنهج المعرفي المستلهم من رؤى وتعاليم مدرسة آل البيت (ع).
إذن قد ربح عليٌّ (ع) ونال ماأراد ، كما ربح الدين والمفاهيم الحقّة رغم غيابه (ع) بدناً لا رؤىً وولايةً ، فالانهدام المادّي الظاهري المذكور سهلٌ إزاء الربح القيَمي الخضل ، بل قد ساهم هذا الانهدام البدني الظاهري مساهمةً فاعلة في ترسيخ أُسس الإسلام المحمدي بالفرع والأصل .
وفي الانهدام البدني كلامٌ عقَديٌّ واسع ، فغالب علمائنا - كما يُنقَل - يرون أنّ بدن المعصوم (ع) يُرفَع بعد الموت إلى السماء ، إنّما الخلاف في أنّه هل يعاد إلى الأرض أم لا ، وعلى فرض القول الأول فإنّ ما في الأرض لايطعم من لحمه أبدا ، لذا فبدن المعصوم (ع) لايُبلى ولايُفنى بعد الممات ويبقى على حاله الأُولى بلاتغييرٍ ولاتبديل .
ولعلّ جبرئيل(ع) قد خاطب الناس على قدر عقولهم ،وأهل المعنى ذوو نظرٍ هنا مفاده : إنّه تبارك وتعالى يخاطب الناس على قدر إدراكهم ، فيصف الدار الآخرة - مثلاً - بأوصافٍ إقناعية تناغِمُ العقل الإنساني وحدّ فهمه ، مثلما نحاول إقناع الطفل بما يستوعبه كي نروّضه ونأمّله ، وإلّا فإنّ أمر الآخرة أوسع ممّا ورد في النصوص السماوية " لا عينٌ رأت ولا أُذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر " فتأمّل .
لذا فما حصل في ملحمة استشهاد الأمير (ع) هو ربحٌ ثمينٌ على كلا الحالين ، فلا تهافت بين نصّ الأمير والأمين .

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!