أقولها وبكل اسف، أننا أصبحنا نعيش في عالم أقرب إلى الانحراف منه إلى الاستقامة، وإلى البلطجة أكثر منه إلى المدنية والتقيّد بقوانينها، كنّا نعتقد أنّ دوله وشعوبه بلغت أسباب الرقيّ، والتحضّر واحترام القيم والحقوق، بحيث أن هذا النظام العالمي بمنظماته ومدوّناته وقوانينه التوافقية، حوّلها من تاريخ الاغارة والعدوان، إلى التعاون احترام المواثيق الدولية والالتزام بها والعمل بمقتضاها، مع ما ظهر من احتلالات واضحة بدرت من تلك المنظمات الأممية، عطلت تنفيذ قراراتها، وتركتها حبرا على ورق.
لقد شكّل اعتقال مانويل نورييغا رئيس بانما سنة 1989، بداية عصر بلطجة أمريكا، في محاولة إرهابية لم يسبقها اليه بلد آخر، عمل مناف للقوانين والقيم المواثيق الدولية، ولا مبرر له بأيّ حال، لا تلفيقات التهم التي ادعاها عليها الرئيس الأمريكي، وهي جميعها لا تبيح تدخلا سافرا مثل الذي أقدمت عليه قوات أمريكية خاصة، وهو ما يذكرنا بشرور أمريكا القديمة، وتاريخها الدموي الأسود، الذي تسعى من ورائه إلى هيمنتها الكاملة على العالم، تتابع أعمالها العدوانية واحدة بعد أخرى يؤكّد لنا طبيعتها الإجرامية، حيث لم يسلم بلد من شرورها، فما ارتكبته من جرائم حرب في فييتنام، كشف طبعها المتوحش، وأعطي دليلا على المنحى السلبي الذي سلكته دول العالم تجاه ما يراه من إجرام، حيث تبيّن أنه لا أحد بإمكانه أن يقف في وجهها، ليردعها أو يثنيها على ما تقترفه من جرائم بحق الشعوب المستهدفة، وأينما حلّت أمريكا حلّ معها الانتهاك والتعذيب والقتل والإبتزاز، فهي بسلوكها العدواني المتأصّل في سياساتها، كالأفعى السامة التي استكملت نموّها، لتبدأ مرحلة جديدة من تسميم فرائسها، وما أكثرهم لو عدّدناهم في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ينتظرون دورهم خاضعين، راهبين من مواجهتها بمبدأ ووطنية، كما فعل الفييتكونج، فأجلوها عن بلادهم بعد تحريرها، فكانت هزيمة نكراء اسعدت أحرار العالم، ووصمة عار في وجه أمريكا.
نعم بالتأكيد أن أمريكا بلغت من القوّة عتوّها، وقد ركب ظهرها اليوم رئيس من الرأسمالية المتوحشة، ليس في رأسه غير حسابات الغنيمة والربح المجاني، وقد تعوّد على غزو الخليج بزيه المدني من دون عسكر، وما حاجته بالعسكر ودويلات الخليج مدججة بقواعد بلاده وحلفاؤها، يعود إثر كل غزوة بأموال طائلة، يقدمها له هؤلاء الحكام عن يد وهم صاغرون، مهللين فرحين بأنّهم في نظره مجرّد بقرات حلوبات، سيتخلص منها واحدة بعد أخرى بعد جفاف ضرعها، وكان وصفه لها إهانة بالغة لا يرضى بها حاكم وطني حرّ.
وحتى لا ننسى تاريخ أمّتنا يجب أن نقول، ان عرابين الولاء التي يقدمها هؤلاء الحكام لأمريكا، بهدف على أساس حماية عروشهم، من وهم ركبوه في عقولهم الخاوية، وهو الخوف من إيران، مع أنّهم يدركون تماما أنّ إيران ليس في سياساتها مع جيرانها سوى المودة والاحترام ولم تفكر يوما في أن تعتدي على واحدة منها، بل لقد كانت إيران ضحية من ضحايا تآمرهم عليها منذ عدوان الثماني سنوات الممول من طرف تلك الدول، ولا يُسْتبعد في أن تكون موّلت عدوان الاثني عشر يوما السنة الماضية، وما زال حقدهم هؤلاء وضغينتهم المخفيّة على إيران تظهر، من خلال اصرارهم على اعتبارها عدوّة يتربّصون بها ويتمنون لها السقوط، وأمريكا صديقة حميمة تُطأطأ لها رؤوسهم، ويقدّمون لها من الأموال الطائلة والهدايا الثمينة، ما ينهض باقتصاد الدول العربية جميعها.
هدف الرئيس الأمريكي سرعان ما أعلن عنه، بما دلل على حمق جنون عظمته، رأى نفسه جديرا بالإضطلاع بها، ففنزويلا كما هو معلوم، تمتلك أكبر احتياطي نفط في العالم، فضلا عن مناجم من المعادن النادرة كالليثيوم والذهب، وتصريحه بأنه سيحكمها بالقوة، يأتي في إطار عقلية أمريكية مستكبرة، طالما راودت حكامها، ترى اغتنام موارد البلدان، ووضع اليد عليها عمل جائز، يعطي أمريكا مجالا أوسع للهيمنة على بقية دول العالم، ويبدو أن ترامب قد اسكره الهجوم على فنزويلا، واعتقال رئيسها المقاوم مادورو وزوجته، وأخذهما إلى أمريكا، بعد عملية عسكرية خاطفة، انتهت بمقتل أكثر من 40 رجلا من حرسه، فتوجّه إلى الدانمارك بطلب وقح للتخلي عن جزيرة غريلاند، كما قام بتهديد كولمبيا وكوبا، وكان قبل ذلك قد هدد بالتدخل في الشأن الداخلي الإيراني، لحماية المتظاهرين هناك حسب زعمه.
ويبدو أن جنون العظمة بلغ بالرئيس الأمريكي مبلغا فريدا من نوعه، وما قام به من عمل عدواني يعتبر تهديدا للسلم العالمي، لا يقل بشاعة عن مشاركته الفعلية في دمار غزة، بتزويد القوات الصهيونية بافتك الأسلحة طائرات وقنابل وصواريخ، تسببت في قتل أكثر من 75 الف فلسطيني، بين نساء وأطفال وشيوخ ومرضى، ولا يزال القطاع المنكوب يعاني من فقد أبسط وسائل وأسباب العيش، تحت ظلال القصف والغارات العشوائية التي مازالت تشنّها الطائرات الصهيونية، حتى بعد وقف إطلاق النار الموهوم، في ظل صمت دولي يراه ترامب رضوخا له ولسياسته.
إزاء ما حصل من انتهاكات، أصبح من الضروري ارغام أمريكا بأن تتخلى عن نزعتها العدوانية، وسياستها المتعالية على بقية دول العالم، ولن يتحقق هذا بدون خروج الدول من منظمة الأمم المتحدة الفاشلة، وإعلان افلاسها السياسي وإن كان ذلك متأخرا، وإعادة بناء منظمة أممية أخرى ذات فاعلية، فهل تفعلها الصين وروسيا وإيران وجنوب افريقيا مثلا؟ الكاوبوي الأمريكي لن يرتدع بغير هذا الأسلوب في الردّ المناسب، وهو أن تنسحب الدول الحرة من عضوية منظمة، معاقة في أدائها منحرفة عن مواثيقها، وما فائدة البقاء تحت سقفها وهي بهذه الحال من الخضوع لأمريكا، وحقيق بها أن تسمى من جديد منظمة الدول الخاضعة لأمريكا.
عربدة ترامب يوقفها فقط التصادم معه عسكريا، ليظهر بالدليل أنه مجرّد بالون هواء، نفشّه شوكة عند اصطدامه بها، هكذا يراه الشجعان حقيقة، أما من أفئدتهم هواء، فيرونه الحاكم الأوحد لهذا العالم، فمن أعماه المظهر الأمريكي المخادع، لا يستبين له جوهر حقائق الشعوب الحرّة المقاومة، والرافضة لسياسات الغطرسة الأمريكية، لا أعتقد أن ترامب سيتخلى عن عنجهيته الحالية فطبعه هكذا، ولن يرتدع بغير أن يتلقى صفعة قوية، تعيد له رشده الضائع بين هلوسات أحلامه الكاذبة، إن كان الدور القادم على من سيكون؟ وهو محتمل الحصول، فتبدو إيران مرشحة لتكون مستهدفة من طرف أمريكا واسرائيل، وأملهم معقود في التخلص منها بإسقاط نظامها، الذي شكل عقبة كأداء في طريق مشروع إسرائيل الكبرى، ولا تبدو إيران في مقام الضحية لأنها استعدت كما يجب، من اجل تلقين اعدائها درسا جديدا لن ينسوه هذه المرة، وواثق في النتيجة بأننا مقبلون على سقوطين كيانين فاسدين وخلاص العالم منهما، نهاية إسرائيل وفرار مستوطنيها، بعد التأكد من انعدام الأمن والعيش على أرض فلسطين المحتلة، ونهاية أحلام ترامب وسقوط أمريكا من علياء أوهام حكمها.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!