بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
في فضاءِ السماوات وفجرها، كانت المدينة تستقبل نورًا جديدًا، وما أبهى ذلك النور الذي تجسّد بروح زينب عليها السلام، وتغذت من حيدر الكرار والطّهْر فاطمة الزهراء عليهم السلام. لم تكن ولادتها حدثًا عاديًّا، بل كانت وعدًا سماويًّا ليضيء البيت العلويّ، بيت الرحمة والإيمان، ويهدينا جميعًا معنى الكرم والشجاعة والإباء.
نشأت روحها في رحاب الكرم والعطاء، وتربّت على الصبر والمصابرة، فكانت مثالًا حيًّا على الإيمان بالله والرضا بقضائه، جسدت للعالم بأسره معنى الإيمان الحقيقي والوفاء للواجبات الإلهية. رسمت في كربلاء صورة المأساة والصبر، حتى لقبت بآية الصبر، وأصبحت صوت الحق الناطق في أرجاء الظلم واللئام، في قصر الأمويين بالشام، حيث لقّبت بأميرة الشام، وبقي مرقدها الطاهر شعلةً تُنير ظلمة الأيام لكل مهموم ومكروب.
كانت السكينة والأمان لكل محبيها، وكانت ملجأً لكل من ضاقت عليه الحياة
ولروحي حظ عظيم أن أحيا طفولتي بقربها، فأكبر بنظرة إليها قساوة الأيام ومصارعة الحياة، وأجد في رؤيتها قوةً ودفئًا، وأستمد منها العزم والصبر. كانت منارة قلبي، أراها من أعلى داري، فأحس بمددٍ روحيٍ لا ينقطع، وأجد في حضورها روحًا تواسيني وتغمر قلبي بالطمأنينة.
وفي يوم مولدها، أهرول إلى حرمها، والدموع تجري على خدي، تارةً تهنئ الإمام بمولودته الطاهرة، وأخرى أرى ظلمتها وآلامها فينمزج شعوري بالحب والفرح والألم. ألم تتعرض لظلم الزمان وهي ابنة الكرام، ولم تمسّها المآسي إلا لتعلّمنا الصبر والإيمان والإخلاص؟ كم كانت مثالًا للعطاء، وكم كانت حافظةً لقيم الحق والوفاء، وكم كانت صوتًا صادقًا ينطق بالعدل في وجه الظلم.
وأما بمولدها لهذا العام، أرسل سلامي بدمع الغربة، مشاعري كلها شوق ومحبة من أرض كربلاء، أرسل حنيني مع كل نسمة ريح تحمل في طياتها ذكراها، والتي لم تفارق قلبي يومًا. كأن روحي تبحث عن الدفء الذي اعتادت عليه في حرمها الطاهر، وأجد نفسي أستعيد ذكريات طفولتي بقربها، وأتلمس حضورها في كل زاوية من زوايا قلبي.
حنيني يرافقني كل لحظة، وشوقي يملأ روحي كما يملأ الليل السكون، والدموع تجري بلا انقطاع، تروي حرارة الاشتياق والعاطفة التي لا يطفئها بعد الغربة إلا لقاؤها. نعم، أفتقدها كثيرًا، وأفتقد روحي في غربتي عنها، وأفتقد نفسي حين أقبل أعتابها الطاهرة، مولاتي.
لكِ من قلبي ألف سلام، سلامٌ بعيد المدى على أمل اللقاء، أرسل لكِ دموعي، وصلواتي، وأمنياتي بأن تبقى روحك النور الذي يضيء دروب حياتنا، ويغمرنا بالحب، والصبر، والثبات على القيم العليا. كل عام وأنتِ منيرةً لقلوب العاشقين، وملهمةً لكل من يبحث عن الحق والعدل، ومصدر أمان وسكينة لكل من لجأ إليك

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!