في حياة القادة مواقف توقظ الوعي ، وفي تاريخهم منابع للتفكير، ومواضع للتأمل. هناك لحظات تختصر معنى الوجود ، وتكشف إن النصر في المعارك لا يقاس بصليل السيوف وحدها ولا بالمكاسب العسكرية، إنما هناك مواقف يتجلى فيها الإنسان المؤمن في أبهى صور صفائه ويقف بين جسد يطلب الأمان وروحٍ تأبى إلّا العلو والثبات وفاءً للقيم، وتجسيدًا للخلود الحقيقي.
ومن أولئك القادة الذين خلدهم التاريخ بمداد من النور هو جعفر بن أبي طالب، الملقب بـ الطيار، حامل راية النبي في معركة مؤتة، الذي علم الأجيال أن البطولة ليست استعراض عضلات، بل ثبات روح وعقيدة.لقد كان فارسًا رساليًا، يسير في الأرض بقلبٍ مطمئن يبصر المعنى وراء سل السيوف في سبيل الحق .
ويُروى أنّ جعفر، أحد القادة في معركة مؤتة ، تقدم في جيش لا يتجاوز ثلاثة آلاف مقاتل يواجهون أمواجًا من جند الروم والعرب المتآمرين تفوقهم عددًا وعدة، لكن ميزان العقيدة لا يُقاس بالأرقام. كان يدرك أن الأرض ستُروى بدمه، ومع ذلك تقدم بخطوات مطمئنة، كمن يعانق قدره ويبتسم له.
بعد أن استشهد القائد زيد بن حارثة، مد جعفر يده إلى الراية، ليحملها، كما يحمل الرسالة في قلبه. تهاوت السيوف من حوله ، وتدفقت عليه السهام كالمطر، قطعت يده اليمنى وهو ماضٍ لا يتراجع، ثم قطعت اليسرى، لكن الراية لم تسقط. ضمها بعضديه المقصوعين إلى صدره الذي تشرب بالإيمان.وسار وهو ينزف، جسدًا جريحًا، لكن روحه تمضي مرفوعة كالعلم. كان يقاتل عن شرف الرسالة التي آمن بها وليس عن ذاته، وعن معنى أن يكون الإنسان وفيًا حتى آخر نفس.
وفي جسده أكثر من تسعين جرحًا ما بين طعنة وضربة ورمية. سقط في أرض المعركة وصعدت روحه إلى افق الخلود. هنالك جاءه القول النبوي الذي خلد اسمه: "لقد أبدله الله جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء..."
في جعفر نرى صورة قريبة من أبي الفضل العباس (ع) في كربلاء: كلاهما حامل راية، مقطوع اليدين، ثابت حتى اللحظة الأخيرة، وكلاهما منحته السماء ما لم يمنحه الناس؛ ذكرًا لا يموت.
ويشهد علي بن الحسين (عليه السلام)لذلك بقوله: رحم الله العباس، فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه، فأبدله الله عز وجل بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وإن للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة).
هكذا يلتقي جعفر الطيار وأبو الفضل العباس عليه السلام على درب الإيمان ، حيث تتجاوز الشجاعة حدود السيف لتصبح ثباتًا اخلاقيًا وروحيًا...
أن العالم اليوم يحتاج إلى أولئك الذين يضحون بكل غالٍ ليبقى المبدأ منتصرًا. فالرايات لا تسقط حين تقطع الأذرع، إنما تسقط حين تنطفئ الإرادة .هكذا يعيش الابطال فينا،أصواتًا للحاضر تذكرنا أن الوفاء لا يموت، وأن الشجاعة ثبات أخلاقي وروحي أمام المغريات . فالأبطال لا يموتون ما دامت القيم حيّة.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!