ما الذي يُخيف هارون العباسي إذا كانت بيده السلطة، وكلُّ مفاصل الدولة الإسلامية (العباسية)؟
أنّة متهجِّدٌ في جوف السَّحر، أو سجينٌ مُكَبَّلٌ بالحديد؟ أهذا يُخيفه؟!
أطامورةٌ في جوف الأرض لا يصلها ضوء الشمس، فيها رجلٌ عابدٌ أنهكته العبادة؟ أهذا يُخيفه؟!
أجسمٌ نحيلٌ لم تفارقه لذّة الصوم والانقطاع إلى الله؟ أهذا يُخيفه؟!
نعم، إنّها قصورُ الفارهين والفارغين، التي تريد كلَّ ما تريد دون أن يكون هناك شيءٌ ممنوع، أو صوتٌ يقول للباطل: أنت باطل.
قصورٌ مُلِئت بالجواري والخدم والخمر والعزف والنَّغَم، لا تريد فيها من يُنغِّص تلك الليالي الحمراء لقصور الخلفاء.
إنّها الخمرة التي تُخالف الفطرة.
وإنهنَّ الجواري اللائي يَسلبن عين الرائي.
وإنّه الغناء الذي يُخالف تعاليم السماء.
وإنّه الكرسي، وما أدراك ما كرسيُّ الحكم؟
إنّه الجبروت حينما يرتدي رداء الدين،
والحاكم الذي هو في الأرض ظلُّ ربِّ العالمين.
نعم، إنّها الخلافة التي يجب ألّا يكون عليها خلاف،
والخليفة له حصانةٌ إلهية:
هو مؤمنٌ وإن شرب الخمر، وسبح في بركةٍ منها.
وهو مؤمنٌ وإن زنى، فالزنى لا يهتك عصمته.
وهو مؤمنٌ وإن سفك الدم الحرام.
وسجن آلاف الأبرياء، حتى لو كان سجنهم واعتقالهم على الظنّة.
وهو مؤمنٌ وإن ارتكب المحرّمات وسلب الأموال، ما لم يتفوّه بكلمة الكفر.
نعم، هي العقول السَّمِجَة التي تؤمن بأنّ فعله كفرٌ بعينه، وما تزال تصفه بأنّه مؤمن.
يا لسخافة العقول إذا صدّقت تلك السفاسف!
لكن نسأل التاريخ،
ونسأل العقول المتحرّرة من التعصّب،
ونسأل الضمائر الحرّة التي لم تتلوّث بغبار السخافات المُبرَّرة:
نسألها: أين قصور هارون؟
أين الشعراء الذين رفعوا هارون إلى عنان السماء، وجعلوه نجمًا هاديًا؟
أين الجواري والدُّرَر والذهب والصُّرَر؟
أين من تجبّر وتكبّر وبَطِر؟
وأين موسى الذي كان في طامورة الظلم؟
الواقع يشهد، والضمير يشهد، والعقل الحصيف يشهد
أنّ سجن العفّة والطهارة هو الذي يبقى،
وهو الذي يكتب الخلود،
وهو الذي يكتب التاريخ الصادق.
وإنّ الخمرة ما بنت تاريخًا،
ولم تهدِ إلى فضيلة،
ولم تصنع رجالًا.
فانظر بعين البصيرة :
هل تجد أثرًا لقصور هارون؟
هل تجد من يمدح هارون بشِعره؟
هل تجد أغنيةً يتمايل لها المخنّثون ممّن يُطري هارون؟
لكن نعم، تجد في مقابر قريش قرشيًّا تُباهي قبّتُه الذهبية نجومَ السماء.
تجد عبدًا لله صار بابَ الحوائج إلى الله.
تجد قبرًا لا قصرًا يفده ألوف، بل ملايين الزائرين.
نعم، إنّها إرادة السماء لا إرادة الطغاة.
شاءت أن يبقى العمل الصالح،
ويبقى الذكر الصالح،
ويبقى الرجل الصالح،
ويبقى العفاف والشرف،
ويبقى الطهر قدوةً لكل الشرفاء.
نعم، إنّه موسى بن جعفر يا هارون،
هذا الذي غيّبته في طامورتك المظلمة، غدا ألقًا يُنير درب الصالحين،
وذهبت قصورك ذهابَ تراب الراحلين.
طمرك التاريخ.
نعم يا هارون، كما خلّد الله في كتابه موسى وفرعون،
كذلك خلّد الله في التاريخ موسى وهارون:
فموسى الكليم مدحه الله،
وفرعون خلّده الله آيةً وعِظةً للعالمين بعد الغرق.
وموسى بن جعفر خلّده الله في بغداد بقبّته الذهبية،
وهارون خلّده الله باللعنة الأبدية.
ويبقى ذكر الله لا يعلوه ذكر:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].
ويبقى ذكرك يا سيّدي يا موسى بن جعفر،
ويذهب هارون إلى مزبلة التاريخ .

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!