كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

يَا نَفْسُ، مِنْ بَعْدِ الْحُسَيْنِ هُونِي

 وَقَفَ النَّهْرُ يُكَفْكِفُ دُمُوعَهُ عَلَيْكَ،
وَانْحَنَى النَّخِيلُ يُقَبِّلُ تُرَابَ قَدَمَيْكَ.
لَا أَدْرِي، حِينَ وَقَفْتَ هُنَاكَ، هَلِ اغْتَرَفَ الْمَاءُ مِنْكَ الْوَفَاءَ، أَمِ اغْتَرَفَتْ كَفَّاكَ مِنَ الْمَاءِ؟
لَمْ تَرَ صُورَتَكَ فِي الْمَاءِ، بَلْ كَانَتْ صُورَةُ أَخِيكَ الْحُسَيْنِ.
سَيِّدِي، أَيُّ مُوَاسَاةٍ هَذِهِ؟
نَحْنُ نَعْرِفُ أَنَّ الْإِنْسَانَ، عِنْدَ الشَّدَائِدِ، وَإِذَا ادْلَهَمَّتِ الْخُطُوبُ، يَنْسَى كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَأَعَزَّ عَزِيزٍ عَلَيْهِ، فَلَا يُفَكِّرُ إِلَّا بِنَفْسِهِ.
لَكِنَّكَ نَسِيتَ نَفْسَكَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِكَ إِلَّا الْحُسَيْنُ.
أَيُّ ذَوَبَانٍ هَذَا فِي حُبِّ الْحُسَيْنِ!
سَيِّدِي، أَرَى شَهِيقَكَ: الْحُسَيْنُ، وَزَفِيرَكَ: آهَاتُ عِشْقٍ.
أَيَّ بَصِيرَةٍ، أَيُّهَا الْبَطَلُ، تَحْمِلُ!
وَأَيَّ دِينٍ عَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُكَ!
وَأَيُّ تَرْبِيَةٍ صَالِحَةٍ رَبَّتْكَ!
سَيِّدِي، أَيُّ سَهْمٍ أَصَابَ عَيْنَكَ، وَقَدْ أَصَبْتَ عَيْنَ الْبَصِيرَةِ!
وَأَيُّ يَدٍ قَدَّمْتَهَا، وَقَدْ قَطَعْتَ يَدَيِ الْبَاطِلِ!
وَأَيُّ جَبِينٍ تَهَشَّمَ مِنْكَ، وَقَدْ هَشَمْتَ جَيْشَ الضَّلَالِ!
لَمْ يَسْقُطِ اللِّوَاءُ مِنْ يَدِكَ، وَلَكِنْ سَقَطَتْ كُلُّ كَلِمَاتِ الْمَدْحِ أَمَامَ مَوْقِفِكَ.
لَمْ يُرَقْ مَاءُ الْقِرْبَةِ، وَلَكِنْ أَرَقْتَ عُيُونَ الظَّالِمِينَ.
هَانَتْ عَلَيْكَ الْأُلُوفُ؛ لِأَنَّ هَمَّكَ كَانَ الْحُسَيْنَ…
الْحُسَيْنُ فَقَطْ.
لمَّا لم يَبْقَ لِنَفْسِهِ مَوْضِعٌ فِي قَلْبِهِ، خَاطَبَهَا بِأَعْظَمِ كَلِمَةٍ خَلَّدَهَا التَّارِيخُ:
"يَا نَفْسُ مِنْ بَعْدِ الْحُسَيْنِ هُونِي"
وحين ماتت الأنا، ولم يَبْقَ إلا الحسين، خرج هذا النداء من أعماق الروح:
"يَا نَفْسُ مِنْ بَعْدِ الْحُسَيْنِ هُونِي".«يَا نَفْسُ، مِنْ بَعْدِ الْحُسَيْنِ هُونِي»

يستحضر الكاتب شخصية أبي الفضل العباس (عليه السلام) من خلال مشهد وصوله إلى نهر الفرات، ليجعل من موقفه في الإيثار والوفاء محورًا للنص، حيث يصوّر انصهار العباس في حب الإمام الحسين (عليه السلام) حتى غابت ذاته ولم يبقَ في قلبه سوى أخيه وإمامه. ويعتمد النص على لغة وجدانية وصور بلاغية تُبرز معاني التضحية والبصيرة والإخلاص، وصولًا إلى العبارة الخالدة: «يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني» بوصفها خلاصة هذا الفناء في سبيل الحق. وترى ✦ كتابات في الميزان ✦ أن النص يعبّر بأسلوب أدبي مؤثر عن قيمة الوفاء التي جسدها أبو الفضل العباس (عليه السلام)، ويستحضر واحدةً من أسمى صور الإيثار في واقعة الطف بعيدًا عن السرد التاريخي المباشر.

العباس_الحسين.jpg

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!