ثَمَّةَ تساؤلٌ يخالج النفس:
لماذا وُضِعَت جنازة الإمام على الجسر؟
أكانت هذه عادةً لبني العباس إذا مات شخصٌ ما في سجونهم أن تُوضَع جنازته على الجسر؟
أم كان ذلك خاصًّا بأناسٍ يمثّلون المعارضة ضد الحكم القائم، بحيث إذا مات أحدهم تحت أسياطهم وُضِعَ على الجسر ليكون عبرةً لمن بعده؟
أم أن هذا الأمر كان خاصًّا فقط بجنازة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)؟
وأغلب ظني أنه كان كذلك؛ إذ لم يَنقل لنا التاريخ أن هذا الفعل كان ديدنًا لبني العباس يفعلونه بعامة من يموت في سجونهم، ولا حتى بالمعارضين لدولتهم.
لذا نُرجِّح أن هذا الفعل كان خاصًّا بإمامنا موسى بن جعفر (عليه السلام).
فيبقى التساؤل: لِمَ صُنِعَ به هكذا؟
ربما يكون الجواب هو التنكيل بالإمام حتى بعد موته، ولا سيما عندما نُودِيَ على جنازته بذلك النداء: (هذا إمام الرافضة)، أو ما عبّرت عنه بعض الروايات بنداء الاستخفاف.
وثَمَّةَ مُرجِّحٌ آخر، وهو أنهم أرادوا بذلك إذلال شيعة الإمام (عليه السلام)، وكأنهم يقولون: هذا إمامكم قد تخلّصنا منه، فلِمَن بعده ترجعون؟
وهناك احتمالٌ ثالث، وهو أنهم أرادوا بذلك الشحن الطائفي بين المسلمين الشيعة والسنة؛ إذا علمنا أن جهة الرصافة كان يقطنها المسلمون السنة، وجهة الكرخ كانت تسكنها الغالبية الشيعية، فوجود الإمام على الجسر سيُوجِد الشامت بموت الإمام من النواصب، والبكّاء عليه من محبيه وأتباعه، ولا بد أن تصدر كلماتُ تشنّجٍ من هذا الطرف أو ذاك، مما يؤدي إلى تناوشٍ بالألفاظ يعقبه تشابكٌ بالأيدي، ثم اقتتالٌ طائفي، وهذا ما يخدم الحاكم من باب: (فرِّق تَسُد).
وثَمَّةَ احتمالٌ رابع، لعلّه لم يكن في بال المحللين لتلك المصيبة وتفاصيلها، وهو أنهم بعد وضع جنازة الإمام على الجسر، وما زالت القيود الحديدية في قدميه، أرادوا أن يُرمى جسده في نهر دجلة، فلا يبقى له أثر، ولا يُبنَى له قبر، كما فُعِلَ بجده الحسين (عليه السلام)، حتى لا يصبح رمزًا للشيعة يقلق بتوافد الزائرين عليه مضاجع الظالمين.
وليس هذا الاحتمال ببعيدٍ عن السلطة العباسية، بعد أن رأينا نظراءهم من طغاة بني أمية كيف صنعوا بجسد زيد الشهيد، حيث أحرقوه وذرّوا رماده في النهر، فليس هذا عن ذاك ببعيد، وقد قال الله تعالى:
﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: 118].
وكما يقول الشاعر:
والله ما فعلت أميةُ فيهم
معشارَ ما فعل بنو العباسِ
لكن شاءت حكمة الله أن يكون وجود جسد الإمام عبرةً للناس عامة، ولحكام بني العباس خاصة.
وذلك حين تدارك الموقف سلمانُ عمُّ هارون العباسي، فأمر غلمانه بأن يأخذوا جنازة الإمام من السجّانين، ويضعوها على مَفْرِقِ طرق، وغيّروا النداء السابق بنداءٍ آخر يفضح حقيقة بني العباس، فقالوا:
(ألا مَن أراد أن يحضر جنازة الطيب ابن الطيب موسى بن جعفر).
فهنا يتساءل الناس: لماذا تبدّل النداء؟
أثَمَّةَ خطأٌ في تصرّف الحكومة القائمة؟
قبل لحظات نداءٌ يعبر عن خبث الحاكم، ثم نداءٌ جديد يستدرك ذلك.
إذًا، ثَمَّةَ حقيقة لا بد من كشفها وإزاحة الستار عنها: لِمَ هذا التبدّل السريع؟
وإذا كان هذا المُسَجّى هو الطيب ابن الطيب، فلمَ سُجِنَ طوال تلك السنوات؟
ولمَ أُخرج بهذا الحال ملفوفًا بعباءته؟
وإذا كان طيبًا، أفلا يكون تشييعه تشييعًا مهيبًا يليق بمقامه؟
نعم، إنه عبرةٌ للناس.
أيها الناس، هذا مفرقُ طرق، والذي يُنجيكم من تشتتكم وضياعكم في طرق المتاهات والضلال هو صاحب هذا الجسد؛ فالهداية كل الهداية باتباعه واتباع آبائه وأبنائه.
﴿ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
أما كونه عبرةً لبني العباس خاصة، فإنه يُرهبهم جسد الإمام، سواء كان حيًّا أو ميتًا، ونحن نعتقد أن الإمام حيٌّ على أية حال، بل هي حقيقة يذكرها القرآن الكريم إذ قال تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169].
فالحياة والخلود للطهارة، وللفكر، وللموقف، وللشرف، وللسمعة الطيبة، وللمبدأ، وللتسامح، وللإنسانية، وللصدق، ولكل معاني الفضيلة، وقد تمثّلت تلك المعاني بأجمعها في إمامنا المظلوم موسى الكاظم، بل وفي جميع الأئمة (عليهم السلام).
فحكّام بني العباس، ماذا قدّموا للناس من نموذج؟
قدّموا نموذج الخمرة كيف تُعصر،
وقدّموا مجالس العهر والفجور والانحطاط الأخلاقي،
وقدّموا الغناء والرقص والليالي الحمراء،
وقدّموا السجون والطوامير وفنون التعذيب،
وقدّموا الغدر والخيانة والتكالب على السلطة وقطع الأرحام،
وقدّموا سفاسف الفكر وضحالة العقل،
وقدّموا الحقد والكراهية،
وقدّموا كل معاني الرذيلة.
فكان الإمام هو مفرق الطرق للناس بجسده الطاهر: (الطيب ابن الطيب).
نعم، هذا الجسد، وهذا الفكر، وهذه القدوة هي الميزان؛
فمن تبعه كان جسرًا يعبر به إلى الجنان،
ومن تركه كان دركًا يسقطه في النيران.
فكان هذا هو السر في الجسر.
فلماذا الجسر؟
شاء الله تعالى أن يكون عبرةً لمن يعتبر.
وما زال صدى الموقف يتكرر في كل عام، وها هي الشيعة تحمل جنازة الإمام بصندوقٍ رمزيٍّ على الأكتاف، لتقول للعالم: خلف هذه العمامة التي على نعش الإمام النجاة، مهما بلغ الطوفان ما بلغ.
فالعمامة السوداء منارٌ للناس، لمن شاء النجاة، لسواد الناس، عندما تأتي الفتن كقطع الليل المظلم

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!