في زمن تتعدد فيه المفاهيم وتختلط فيه المعاني، تظل القوامة والغيرة من أبرز القيم التي تحدد طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة في الإسلام. القوامة ليست سلطة، بل مسؤولية، والغيرة ليست شكًا، بل حرصٌ نابع من الحب والكرامة. وقد عبّرت الآية الكريمة:
(1) "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ"
عن هذا المعنى العميق، حيث جعلت الرجل راعيًا للمرأة، مسؤولًا عن حمايتها ورعايتها، لا متسلطًا عليها. من هنا نفهم معنى الغيرة بأنها فطرة راقية لا تُهان بها المرأة، لكنها في الإسلام تُضبط بالخلق والرحمة. فهي ليست رغبة في التملك، بل تعبير عن الحرص على من نحب. الغيرة المحمودة هي التي تدفع الرجل ليصون أهله، دون أن يتحول إلى رقيب خانق أو متشكك دائم.
وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام قوله:
(2) "غيرة الرجل إيمان، وغيرة المرأة كفر."
وهذا يدل على أن الغيرة في الرجل إذا اقترنت بالحكمة والعدل فهي من الإيمان، وتعبير عن المسؤولية والحرص على الأهل.
ونشهد أسمى معاني الغيرة في شخصية المولى أبي الفضل العباس عليه السلام، الذي يجسد صورة القوامة في أبهى تجلياتها. ومن أهم المواقف التي جسدت القوامة والغيرة النبيلة نجدها في واقعة عاشوراء، حيث برز أبو الفضل العباس عليه السلام، والذي لم يكن مجرد أخ لزينب عليها السلام، بل كان حاميًا لها، وسندًا لبنات الرسالة في كربلاء. لم يكن قوّامًا بالكلام، بل بالفعل والموقف.
ففي يوم عاشوراء، حين اشتد العطش على النساء والأطفال، خرج العباس ليجلب الماء، رغم إدراكه للخطر. وعندما وصل إلى نهر الفرات، واغترف الماء، تذكر عطش الحسين عليه السلام، فرمى الماء وقال:
(3) "يا نفس من بعد الحسين هوني... أتشربين بارد المعين، وقد ورد الحسين المنون؟!"
هذا الموقف يكشف عن غيرة نابعة من الوفاء، وعن قوامة لا تعرف الأنانية، بل تضع حماية الأهل فوق كل اعتبار. وهذا يوضح معنى القوامة في الإسلام بأنها ليست امتيازًا للرجل، بل تكليفًا يحمله على عاتقه. هو مسؤول عن حماية المرأة، وتوفير الأمان لها، والغيرة جزء من هذه الحماية. دون فرض القيود، ولا التضييق. الرجل القوّام هو من يصون، لا من يسيطر.
والعباس عليه السلام كان سورًا من الكرامة حول زينب عليها السلام، يحميها بعزته ويصونها بمواقفه. لم يكن بحاجة إلى كلمات، ففعله كان أبلغ من القول، وسيفه كان عنوانًا للغيرة النبيلة والرجولة الحامية.
هذه هي القوامة التي نحتاج أن نفهمها اليوم التي تحمي، لا تقيّد؛ تغار، لكنها لا تجرح.
لاننا في زمن تتغير فيه المفاهيم وتُساء فيه النوايا، تبقى سيرة أبي الفضل العباس عليه السلام منارة لكل رجل يريد أن يفهم القوامة بمعناها الحقيقي. فليكن العباس خير قدوة ولتكن الغيرة نابعة من وفاء، لا من خوف، ولتكن القوامة حماية، لا تحكمًا.
المصادر:
1. الآية القرآنية: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ" – سورة النساء، الآية 34.
2.3 قول الإمام علي عليه السلام: "غيرة الرجل إيمان، وغيرة المرأة كفر." – غرر الحكم ودرر الكلم.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!