كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

التنافس على منصبي رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء  بين الاسحقاق الانتخابي والكفاءة والخبرة

التنافس على منصبي رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء  بين الاسحقاق الانتخابي والكفاءة والخبرة

      تعد الحِكمةُ والعقلُ من أسمى الصفات التي يتزيّن بها الإنسان، فهما نورٌ يهدي السلوك ويقوم الأفعال. وقد خُصَّ الرجال بالذكر لأنهم غالبًا ما يتحمّلون مسؤوليات كبيرة في الأسرة والمجتمع، فلا يكتمل دورهم إلا برجاحة الفكر وحسن التصرّف. فالعقل يميز الصواب من الخطأ، والحكمة تُحسن اختيار الوقت والأسلوب المناسبين. وبهما يعلو شأن الإنسان بين الناس، ويكسب احترامهم وتقديرهم. لذا كانت الحكمة والعقل زينةً حقيقية تفوق كل زينةٍ ظاهرة.
       تتصاعد الخلافات بين أطراف المشهد السياسي العراقي للترشيح لمنصبي رئاستي الجمهورية ومجلس الوزراء، في صورة تشبه فريق كرة طائرة عالقًا بين الإرسال والرفع، يتنازع أشواطًا متتالية من دون أن تتضح هوية الفائز، فيما تبقى المباراة مرتهنة أكثر مما هي ساحة تنافس ديمقراطي حقيقي. وفي حالات نادرة، قد تحمل “الشيبة” حكمة وبركة؛ كما فعل مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا، حين عاد إلى الحكم في سن متقدمة، فأخمد أزمة ديمقراطية، ثم انسحب بهدوء، مسلّمًا المسؤولية لمن هو أكثر حيوية وقدرة صحية على المواصلة.
      كثيرًا ما يتفوّق التلاميذ على أساتذتهم في فنون الإدارة والنجاح، وهو مشهد ينسحب بدرجة كبيرة على الواقع العراقي؛ إذ جرى حصر الترشيح لرئاسة الحكومة السابقة، وفق ما سُمّي بالاستحقاق الانتخابي، في شخصيتن أو أكثر ضمن الإطار التنسيقي او عددا محدودا من الشخصيات في التحالف الكوردستاني، مع إغفال الآلاف من حملة الشهادات العليا والخبرات والكفاءات المتنوعة، صحيح أن الانتخابات تفرض معادلاتها، وأن الدستور يرسم المسار القانوني بوضوح، غير أن ذلك لا يمنع ترشيح شخصية كفوءة—اقتصادية كانت أم سياسية أم قانونية—لقيادة السفينة الحكومية في هذا الظرف الوطني والإقليمي والدولي بالغ التعقيد، مع توفير الدعم الكامل لها، واحتسابها ضمن الإطار التنسيقي او التحالف الكوردستاني، ومنحها في الوقت ذاته حرية إدارة الدولة بشكل قانوني، وبمساندة فريق استشاري مهني، بعيدًا عن التهويل والتمجيد، وبأهداف واضحة ومحددة.
   وهذا ما يتطلّب شجاعةً فائقة، لا يمتلكها إلا الرجال الحقيقيون؛ شجاعة الاستعداد للتنازل عن الكرسي من أجل الوطن، وتسليمه لمن هو أصلح في هذا الوقت العصيب، وسط أزمات متشابكة تعصف بالعالم. لا لمن جرّبه الزمن فلم يؤدي الأمانة كما أوتمن بها، والكلّ يشهد على ذلك.
فالمواطن العراقي، الذي اكتوى بنار تجارب أنظمة الحكم المتعاقبة، لا يمكنه أن يطمئن إلى زيدٍ أو عمر ممّن يحملون تاريخًا غير جيد في القيادة؛ وكما يقول المثل العراقي: ( اللي تعضّه الحيّة يخاف من جَرّة الحبل).  ومع ذلك، لا بدّ من الإبقاء على الأمل، لعلّ كثرة الأصوات الغاضبة تُحدث تغييرًا نحو الأفضل، وتفتح الطريق أمام الابتعاد عن الأسماء المكرّرة. فالتنحّي جانبًا  للأفضل وللمناسب ، لا ينتقص من قدر الشخص، بل يُبقيه محترمًا عظيم الشأن. هكذا تقتضي الحكمة، وهكذا يحكم العقل، وكما يُقال: ( رحم الله امرأً عرف قدر نفسه(  . 
    وأروع ما قرأته في حكم النقض الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا الجديد في 19/1/2026 بشأن بعض مرشحي رئاسة الجمهورية، في النص " فالخبرة السياسية لا يقتصر توافرها على من يتولى منصبًا سياسيًا أو رسميًا في إدارة الدولة، وإنما تتحقق في كل من يمتلك القدرة على التأثير في المجتمع في المجالات المتعددة، نحو العمل في التنظيم المجتمعي، وما يمتلكه المفكرون والأكاديميون والإعلاميون من تأثير مجتمعي، ولو كان غير مباشر، في عملية صنع القرار".
ونذكر بقوله سبحانه و تعالى ( وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ) الانبياء :111.

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!