سجّلت فضيحة «بنت السبيل» أرقامًا مليونية في متابعات مواقع التواصل الاجتماعي، وحصد بعض صُنّاعها التكتكورين آلاف الدولارات، غير عابئين بالقيم المجتمعية، ولا بالأعراف، ولا حتى بما يُسمّى عيبًا.
لقد كان «الستر» يومًا زينة المجالس، واليوم صارت «الفضيحة» هي المحرّك الوحيد لعدادات المشاهدات. ويبدو أننا وصلنا إلى مرحلة لم يعد فيها المنزل قلعةً حصينة، بل استوديو تصوير مفتوحًا على مدار الساعة.
فيا ايها. الزوجة ،اذا ضبطت زوجك متلبّسًا، فلا تبحثي عن حلٍّ وديّ، بل تأكدي أولًا من الإضاءة وشحن بطارية الهاتف؛ لأن «الفضيحة» هنا ليست نزوةً ذكورية ولا مأساةً عائلية شنيعة، بل تتحوّل، بلمسة هاتف، إلى «محتوى هادف» يغزو الشاشات!
إذ لم يعد الفضاء الرقمي مجرّد وسيلة تواصل، بل صار ساحة تصفية حسابات، ومحكمة بلا قاضٍ، وعرضًا مفتوحًا لأدق أسرار البيوت.
في هذا المناخ المشوَّه، يتقدّم المجتمع العراقي خطوة أخرى نحو تعرية نفسه بنفسه.
فالقصة هي زوجة تضبط زوجها مع امرأة غريبة داخل بيتها.و هنا لم تعد الصدمة بحدّ ذاتها مفاجئة للآخرين؛ الصدمة الحقيقية تبدأ حين يتحوّل المشهد إلى مادة مصوَّرة تُقذَف في وجه الجمهور، وكأن الكرامة شأن ثانوي لا يستحق الستر.و الهاتف هنا لم يكن أداة توثيق، بل سكينًا، والإنترنت منصة تنفيذ.
اللقطة الأكثر فجاجة لم تكن الخيانة، بل التبرير. حين سُئلت المرأة المتلبسة بجرم الزنا عن وجودها، فلم تجد سوى عبارة ملتبسة: «أنا بنت سبيل».
وهي عبارة لم تعد توصيفًا اجتماعيًا ولا حالة إنسانية، بل قناعًا لغويًا رخيصًا يُستخدم لتجميل الخيانة ومنحها صك براءة وهمي. فـ«بنت السبيل» في هذا السياق ليست ضحية طريق، بل محاولة مراوغة لتخفيف وطأة الفعل وتسويق السقوط الأخلاقي بعبارات دينية مُفرَّغة من معناها.
شخصيًا انا ك حسين باجي، لا أعرف توصيفًا أو عبارةً تليق بامرأة تزني مع رجل سوى كلمة «بغيّة». أمّا عبارة «بنت سبيل»، فهنا اللغة نفسها صارت شريكًا في التزوير، ومسميات ناعمة لأفعال فظّة، تُنتج مصطلحات رمادية تريح الضمير الفاسد، ولا تُغيّر الحقيقة.
وهكذا، لم يعد الخطأ يُناقَش، بل يُبَثّ. ولم يعد الخلاف يُحلّ، بل يُرفَع إلى الترند. والبيوت تُفتَح أمام المتفرّجين، والفضيحة تُقدَّم كوجبة ترفيه، والناس تتزاحم للتعليق والمشاركة، دون أن يسأل أحد: من التالي؟
نحن أمام مشهد مقلوب: الخيانة تُصوَّر، والانتقام يُصفَّق له، والخصوصية تُدان باعتبارها ضعفًا. مجتمع كان يقدّس الستر، بات يصفّق للتشهير، ويستمتع بانهيار الآخرين كما لو أنه إنجاز.
وهنا انتبهوا؛ فحين تُشوَّه المفاهيم قبل الأفعال، لا يعود السقوط حالةً فردية... بل عدوى عامة.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!