كان يوماً مختلفاً، بل أهم وأصعب يوم في حياتها، حتى الهواء بات رخيما ينساب إلى انفها بصعوبة، الحرارة تتصعد لرأسها فيغدو كالمرجل المغلي، انفاسها تتضطرب وتتسارع دقات قلبها، وضعت يدها على قلبها محاولة منها لتهدأته، رامت المغادرة فأرسلت عيناها تجول في أرجاء المنزل لعلها نست شيئاً!
منبه السيارة لا يكف عن الصراخ طالبا نزولها،
اخذت المفاتيح بسرعة وأغلقت شقتها ونزلت تترنح بحذائها المبالغ في الإرتفاع...
شقيقها مع أمها واخواتها ينتظرون في السيارة،
ما أن دلفت لداخل السيارة حتى أردفت أمها قائلة بدهشة
_الله، لا يجمتع الجمال ومناقشة الأطروحة معاً!!
شعرت بشيء من الخجل من كلامها.
ثم اكملت الأم قائلة
_هاكِ ضعي الملح في جيبكِ، أخشى عليكِ من الحسد، جمال مميز مع مناقشة أطروحة دكتوراه!
_أماه أرجوكِ ما هكذا يكون التحصين ضد الحسد!
لدينا المعوذات أو القلائل الأربعة وبعض الأدعية..
_لا بأس، ضيفي الملح تحت ثيابكِ أيضاً.
اخذت الملح ونثرته داخل ثيابها بأستياء، راحت السيارة تلتهم الطريق بسرعة مبتعدة عن المنزل وكلما اقتربت من المكان زادت سرعة دقات قلبها، وقلّ الأوكسجين المنساب لرئتيها!
وما زاد الامر تعقيدا أن زوجها لم يتمكن من الحضور بسبب سفره....
ترجلوا من السيارة، القاعة امامهم!
ساقاها لا تكادان ان تحملانها، بدأت تتمايل بمشيتها وألتفت الساق بالساق!
بالكاد وصلت للقاعة، كأنه كان دهراً من الزمن!
كانت المنصة مزينة بشكل دقيق ومرتب لافت للأنظار، وباقات الزهور المتناسقة مع ديكور القاعة جعلها أكثر جاذبية، وفي نفس الوقت لها رهبة تكاد ان تكتم انفاسها...
اعضاء اللجنة توزعوا حول المنصة، مشهدهم يربك قلبها أكثر!
كل برهة يذاع أسم شخص،
بعد فترة جاء النداء بأسمها...
تسمرت قليلاً في مكانها ثم اطلقت ساقيها المسكرتين!
الارتباك باد عليها والتوتر أخذ مأخذه منها!
وصلت للمنصة، خيل لها أنها مشت لساعات طوال...
صعدت المنصة، القت نظرة على اطروحتها التي أمامها، عيناها تلبستها الغشاوة، أنها بيضاء لا شية فيها!
أين الكلمات؟
أين الحروف؟
أين الفواصل؟
أين وأين........
وجه لها أحد اعضاء اللجنة سؤالاً
حركت لسانها يمينا وشمالا، وجالت الكلمات في فمها دون خروجها!
سألوها مرارا وتكرارا
لم يكن بإستطاعتها ترجمة مشاعرها للخارج
لسانها شل، ماله لا يخرج صوتا غير التأتأة
غزت عينيها الدموع
ثم انسلت من المنصة لأحضان امها باكية...
كان يوماً عبوسا ثقيلا..
مرت عدة أشهر دون أن تنبس ببنت شفة!
لم يكن الطب بإمكانه علاجها فترك الأمر للصدفة لتتدخل بذلك..
امها لم تتركها لأيدي الاقدار، فظلت تجوب بها على المشعوذين ومن يدعون الروحانية،
قال لها أحدهم
_أنها تعرضت لحسد شديد ولا يزول ما بها إن لم يُمت صاحب العين!!
عادت أمها ادراجها بائسة حزينة.
مر عام على ما بليت به.
إتصال في منتص الليل مكرر لا يكف عن الإلحاح
تكملت بداخلها(من يكون إلا يعلمون إني لا استطيع النطق!)
حملت هاتفها ونظرت فإذا هي شقيقتها الصغرى تتصل
فتحت الخط بدون وعي
فأنسل صوت شقيقتها لأذنها مشوب ببكاء عميق
_ لقد مااااااتت أمي!
وبدون وعي أو ادراك
صرخت بكل قوتها وبكلمات واضحة
_أمي! لا مستحيل!!!!!!

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!