الثراء المعرفي والغنى الفكري في قلب كتاب يسمو بالموهبة والارتقاء ،يترك حراكا ذهنيا فاعلا عند متلقيه وكتاب ( انا الشعر ) د. محمد تقي جون الشاعر والناقد الاكاديمي المتمكن في خلق مساحات فكرية برؤى قديرة ساعية لخلق الاثر المعرفي البصير ،لهذا سعت المحاورة الى الولوج الى عوالم هذا الكتاب طمعا في التعلم ومنح فرصة لتسليط الضوء على بعض الامور التي تعتبر بالنسبة لي الكنز بما تملك من مكتسب علمي فكري اكاديمي معرفي
س1)... هل حقا اختلفت الاديان في تعاملها مع الشعر مثلا هل كان النبي موسى او سليمان عليهم السلام يسمحون بالتداول الشعري والاسلام اختلف عنهم بالتعامل مع الشعر والشعراء؟
د. محمد تقي جون :ـــ -الدين يصدر عن الوحي، ويتطلب الصدق اسلوبا ومنطقا، بينما الشعر يصدر عن الموهبة ولا يتطلب الصدق اسلوبا ومنطقا. لذا قيل (اصدق الشعر أكذبه). ولم نسمع عن نبي تعاطى مع الشعر عدا النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم) وسبب تعاطي الرسول مع الشعر ان الشعر عماد حياة وتفكير العرب. فكلف حسان بن ثابت بالرد على شعراء قريش ومنهم من هجا الرسول. وقد أباح دم بعضهم مثل كعب بن زهير، ولكن اقتنع الرسول ان هناك حرب ثقافية لا يخوضها وينتصر بها الا بالشعر فاستعمل الشعر والشعراء. وجاءت آية الشعراء (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ *إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (الشعراء: 224- 227) فهذه الآية كان لها تأثيرات حاسمة وليس تأثير حاسم واحد في الشعر تفكيرا وفنا. وهي لم تقيّم الشعراء على اساس الفن والموهية بل الانتصار للحق. بل روي للني رجز مثل (انا النبي لا كذب/ انا ابن عبد المطلب) وفي رأيي هو صحيح لان كل عربي قادر على كتابة الرجز والرسول عربي.
س2) في نفس الوقت التي تعترض به على من يقول ان هوية الشعر غير اصيلة وانه نقل من امة مجاورة او توارثوه عن الاسلاف الساميين؟ تعود لتقر انهم اخذوا من الامم ما يعزز شعريتهم فقط، ما معنى هذا التعزيز؟
د. محمد تقي جون:- الشعر يمثل التفكير الفطري للإنسان أو طفولته الفطرية. لذا كل الامم قالت شعرا. وكانت الملاحم أول وهج شعري يعكس العقل والنفس البشرية، ففيه الكثير من السذاجة، كما انه رسم الخطوط العريضة لما يجب ان يكون عليه الشعر، مثل استخدام الخيال والمبالغة وتغريب الالفاظ والمفاجأة والجمالية وغير ذلك مما يفتقده الكلام اليومي والقاموسي. وكذلك في الكتب السماوية ولا سيما التوراة وبالاخص نشيد الانشاد ومزامير داود. وكذلك في الملاحم الالياذة والاودسة والمهابهارتا وملحمة كلكامش. فلا نقول ان العرب اخذوا الشعر من امة مجاورة، بل كل الاقوام انطلقت من مضمار واحد. ولكني قلت ان كل قوم كتب الشعر وفق لغته وتفكيره، وهكذا عبر الشعر الجاهلي بكل قوة عن طاقات اللغة العربية اللفظية، فكان الشعر الجاهلي والاموي شعرا لفظيا انسجاما من لغة العرب. وفي العصر العباسي حين تلاقح العرب مع غيرهم ولاسيما الفرس والروم، هنا ذهب الشعراء العرب او العجم الذين كتبوا بالعربية للنظر في شعر الامم والمجاوزة فتسللت لاول مرة (المعنوية) فصار الشعراء العباسيون يعمقون اشعارهم بالمعاني الفلسفية والفكرية وقد وصف المتنبي نفسه بانه (رب المعاني الدقاق).
***
س3) العباسيون تاثروا في شعرهم برقة الحضارة الفارسية ثم تعود في نفس السطر لتقول واثروا بدورهم في شعراء فارس وتبرهن ان الشاهنامة الفارسية كتبت على بحر المتقارب العربي الجاهلي فمن تأثر بمن ؟
د. محمد تقي جون:ـ حدث تنافذ بين الشعرين العربي والفارسي. حين دخل العرب المسلمون إيران عام 16هـ لم يجدوا عند أهلها شعراً، سوى ما جاء في الاﭭستا من (ﮔاتها = ﮔاتات) وهي عظات زرادشت بشكل منظوم، وقطع منظومة أخرى في الاﭭستا تسمى (يشت) و(يسنا) و(ونديداد). ونعتقد أنها الطريقة الشعرية التي كتب بها نشيد الإنشاد ومزامير داود، وهي طريقة لا تقوم على أساسات شعرية واضحة وثابتة، بل تعتمد على طريقة القراءة، وموسيقى داخلية كالتي في الشعر المنثور، ولغة شعرية مميزة. وتحتوي على عناصر غنائية كثيرة ولكن مضمونها ليس شعرا بمفهومنا، وقيمتهما الأدبية في البساطة وعفوية اللغة وليس في الصنعة الأدبية. وكان الجاحظ، المثقف المطلع على ثقافات عصره المتنوعة والمعاصر لولادة أول قصيدة شعر أعجمية، لا يرى عند العجم في القديم شعراً لذا قال: " وفضيلة الشعر مقصورةٌ على العرب، وعلى من تكلَّم بلسان العرب" على أنه ذكرا انواعا من الشعر للعجم، يشبه الشعر العربي او يقترب من أسلوبه وملامحه في خطوطه العريضة، فقال ذاكراً أعجميا اشتهر بأحد انواع هذا الشعر في بلاط كسرى: " وكان أكثر ما يغني العجمَ (الفهليد) مع أيام كسرى أبرويز، وكان من أهل مرو، وكان من أغانيه مديح الملك، وذكر أيامه ومجالسه وفتوحه، وذلك بمنزلة الشعر في كلام العرب، يصوغ له الألحان، ولا يمضي يوم إلا وله شعر جديد، وضربٌ بديع. وكان يذكر الأغاني التي يستعطف بها الملك، ويستميحه لمرازبته وقواده، ويستشفع لمذنب، وإن حدثت حادثة، أو ورد خبره كرهوا إنهاءه إليه، قال فيه شعراً، وصاغ له لحناً، كما كان فعل حين نفق مركوبه شبديز، ولم يجسروا على إنهاء ذلك، فغنى بها وذكر أنه ممدود في آرية، ماد قوائمه لا يعتلف ولا يتحرك، فقال الملك: هذا قد نفق إذن. قال: أنت قلت ذلك أيها الملك، وكان يضطره بأشعاره أن يتكلم بالذي يكره عماله أن يستقبلوه به". ومن المحتم ان هذا الشعر يشبه في غايته ما يقوم به شعراء العرب حين يمدحون ويقصدون الرؤساء، وعلى هذا الأساس وجدنا كسرى يلتقي الشاعر الجاهلي الأعشى ويسمع منه ويعطي رأيه في شعره . إلا انه في كل الأحوال لا يناظر شعر العرب في ثبات أساساته ودقة صنعته، لذا لم يلتفت العرب إلى هذا الشعر استحقاراً له واعتزازا بشعرهم، وإلى ذلك أشار نشوان الحميري في قوله: "وللعرب الشعر الذي لم يشاركهم فيه احد من العجم، وقد سمعت للعجم كلاماً حسناً، وخطباً طوالاً يسمونها أشعاراً، فأما أن يكون لهم شعر على أعاريض معلومة وأوزان معروفة، إذا نقص منها حرف أو زاد حرف، أو ترك ساكن أو سكن متحرك، كسره وغيَّره، فليس يوجد إلا للعرب خاصة دون غيرهم"( وتذهب الدكتورة إسعاد عبد الهادي إلى وجود أشعار إيرانية غير دينية، وهذه الأشعار ضاعت أو اختفت بسبب الفتح العربي، كما ذكرت أن الدراسات الحديثة كشفت عن وجود مقطوعات شعرية بالفهلوية الاشكانية (الفيلية الوسطى) مثل كتاب (بندهشن) و(آياذﮔار زريران)، وبالفهلوية الساسانية (الفيلية الوسطى) مثل كتاب (جاماسب نامك). ونرى جازمين أن هذه المكتشفات لا ترقى على النظم الاﭭستي. لهذا السبب تبنى الفرس بنهضتهم الادبية في العصر العباسي قوانين الشعر العربي الجاهلي بحذافيرها، بعدما قارنوها بهيِّن تراثهم الشعري، ليكتبوا شعراً فارسياً على غرارها بعدما جددوا اللغة الفارسية (الوسطى) كما اثّر هذا الشكل في أمم الغرب ولاسيما اتخاذ القافية. وقد انبهر الفرس بالشعر العربي وأساساته العظيمة: نظام الشطرين، الأوزان المتنوعة، القافية الموحدة، اللغة الشعرية، والموضوعات الشعرية( واستطاعوا على غرارها كتابة شعر فارسي بعد مائتي عام، واتخذوا من الخط العربي أداة له). وتعود بداية ولادة الشعر الفارسي إلى زمن المأمون وبتشجيع المأمون نفسه، ذلك انه حين التجأ إلى إيران بعد تولي أخيه الأمين الخلافة، مدحه أحد شعراء الفرس وهو (أبو العباس المروزي) (ت200هـ) بقصيدة منظومة باللغة الفارسية تقوم على أساسات الشعر العربي ففيها: نظام الشطرين والوزن والقافية الموحدة والموضوع الشعري واللغة الشعرية، ويرى بعض مؤرخي الأدب الفارسي أن (حنظلة البدغيسي) (ت229هـ) هو أول شاعر كتب شعراً فارسياً وكان في الدولة الطاهرية، وذهب آخرون إلى أن ابن الوصيف السجزي (ت بعد 278هـ) هو الأول وكتب شعره بالفارسية في مدح يعقوب الصفار.
وقد اخذ الفرس والكرد الاساسات الشعرية العربية واضافوا على اوزانها وبلاغتها وقوافيها كما شذبوا ما لا يتفق مع لغتهم. وكان اشتغالهم على البلاغة أوضح كما نرى ذلك عند عبد القاهر الجرجاني. ثم ابتكروا اشكالا واساليب شعرية اخذها العرب كالدوبيت والبديع والمزدوج ثم الملمع وغير ذلك.****
س4)اساسات الشعر لم توضع لمكان وزمان معينا بل بشكل مطلق فهي لكل زمان ومكان ما دام هناك عرب وعربية. الى الان نحن على اتفاق، لكن حولت هذا الراي الى حكم مطلق مستحيل ان يتقبل العرب شعرا بني على سواها هل ثمة تردي في الذائقة الشعرية العربية؟
د. محمد تقي جون :ــ الاساسات الشعرية هي التي كتب بها شعرا منذ الجاهلية والى الان يكتب عليها، اذن الحكم صحيح. وخلال مسيرة الشعر العربي خرقت هذه الاساسات ودائما يخرقها عجم: فرس وكرد واسبان وانكليز وترك وغير ذلك. فانتجوا بحورا جديدة في العصر العباسي من شعراء فرس. ونوعوا القوافي، واكتشف الاندلسيون بتأثير الاغاني الاسبانية الشعبية الموشح، وهو منظومة ضخمة من التلوينات النغمية والايقاعية اعطت الحرية للتعبير الشعري والفوضى الخلاقة فكانت ثورة بحق وتجديد موسيقى ضخم. وبتأثير الترك انتج شعر البند، وبتأثير الانكليز ظهر شعر التفعيلة، وبفعل الالمان كان الشعر الرومانسي وما انتجه من لغة شعرية مختلفة كاللون المحلي واللغة الشعبية والتعبير المهموس. ثم جاءت قصيدة النثر والقصيدة التفاعلية. كل هذا خروج على الاساسات الخمسة كلها، ولكنها لم تكن من القوة بحيث تلغي الاساسات العربية. وذكر نزار قباني وهو من الخارجين عليها: ان الشعر يجب ان يبقى محافظا ومتصلا بشعر العرب. وتلك مفارقة تثبت ان الشعر العربي دائما يحس بالغربة اذا ابتعد عن اصله الموروث فيحن ويرجع بقوة بقدر ما تسعفه المرحلة.
****
س5)اتهمت الخروج عن الشعرية بالنكوص لكنك عدت في نفس الكتاب الى الاقرار بان ادونيس يمثل النخبوية العربية؟
د. محمد تقي جون :ــ الشعر العربي له متطلبات كثيرة وصعبة، فلا احد يقدر ان يكتبه الا شاعر، بعكس الامم الاخرى فبامكان اي شخص ان يكتب شعرا مقبولا بقليل من الموهبة. وفي اعتاب العصر الحديث ومع كتابة الشعر من غير المقتدرين صار الشعر كما قال المعري (رحى تطحن قرونا) ضجيجا بلا طائل، فالشعر يجب ان يكون بمقادير متساوية من اللفظ والمعنى والعروض والقافية واللغة الشعرية البيانية مثل الطبخة الطيبة، ولم يعد شعراؤنا قادرين على اتقان تلك المقادير فابدعوا بقدر اقترابهم ولا اقول وصولهم حتى الجواهري وشوقي وبدوي الجبل وغيرهم. وصار الشعر الاكثر قبولا الذي يبتعد عن اللفظ لصالح المعنى وبمستوى حضاري اعلى من مستوى العصر العباسي، لذا نجد بدر شاكر السياب احب الينا من شوقي والجواهري لأنه مثقف ثقافة انجليزية. وهكذا صارت الامور تسير الى ترك الشطرين والوزن والقافية او التخفيف منها، والتركيز الى (لغة الشعر) فهي روح الشعر والاساسات الباقية عون ومساعد. فصرنا ننتقد الماغوط وادونيس وصار جمهور هؤلاء يتضخم على حساب الشعراء العموديين كما حدث في العصر العباسي فترك الجمهور المخضرمين وناصروا المولدين للسبب نفسه. ولو انتج كل عصر مثل امرئ القيس والنابغة والمتنبي لما التفت الناس الى هذه الموضات الشعرية الضعيفة. وقد سئل مرة السياب: ما الفرق بين شعرك وشعر نزار قباني؟ قال شعري كالقهوة العربية الاصيلة يبقى طعمها في الفم والروح، وشعر نزال يشبع الشوكولاته يذهب طعمه بمجرد اكله.
يتبع ...

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!