لم تزل القصص نسمعها أو نشاهدها في أحد الطرقات ونحن نسير فيها. وهذه القصص يجب أن تهز أعماق قلوبنا للعودة إلى الوراء ونستشعر الخطب ونفكر ملياً...
قصة تنقلها الكتب وأرباب المنابر عن الإمام الكاظم عليه السلام عندما رأى جارية خرجت من إحدى البيوت التي كان فيها غناء ماجن. فسألها الإمام عليه السلام: لمن هذا البيت؟ فقالت الجارية: لسيدي. قال: عليه السلام، صاحب البيت حرٌّ أم عبد؟
وهنا وقعت الحيرة عليها متعجبة من كلام الإمام عليه السلام، بل حر. فقال الإمام عليه السلام: صدقت، لو كان عبداً لخاف سيده.
هذه الصدمة التي وقعت على الجارية من كلام الإمام، فكيف تكون على صاحب الدار الذي سأل الجارية عن سبب التأخير؟ فقالت وهي محتارة: ماذا أقول لسيدها؟ فقالت: رأيت رجل سيماه سيماه الصالحين وسألني عن صاحب الدار، أهو حرٌ أم عبد؟ فقال: ماذا أجبتي؟ فقالت: بل حر. فقال عليه السلام: صدقت، لو كان عبداً لخاف سيده.
شعر كأن الجبال سقطت على رأسه متفكراً بما سمع، تاركاً لذة الحياة الدنيا حافياً يشعر بكلمات هزت أعماق نفسه، يريد إعلان التوبة على يد سيدي الإمام الكاظم عليه السلام.
هذه القصة لم تكن حدثاً عابراً في الزمن القديم بل لها وقع في أيامنا هذه في الأسرة والمجتمع، لكن بصيغة أخرى دون إحياء الضمير إلا ما ندر. ولعل الفارق الزمني بين الحرية التي يتمتع بها المجتمع وبين العبودية الحقيقية التي جعلت من هذه القصة إحياء للضمير، وهي لا شك هزة ارتدادية شكلت منعطفاً لصاحب القصة ليلقب ببشر الحافي من أثر الصعقة التي هزت أعماق قلبه، وهي إشارة إلى التوبة والعودة لله.
الإمام عليه السلام لم يضرب الجارية ولا صاحب الدار، بل هز كيانهم بسؤال: هل هو حرٌ أم عبد؟ تغير كل شيء ونحن نعيش صخب وضجيج هواتفنا والسوشيال ميديا، ولم تهز ضمائرنا، بل لم نسمع صوت الضمير لأن حب الأنا والركض خلف الشهوات هي من مظاهر كان بشر قد سبقنا إليها قبل التوبة، لأن الغفلة كانت خارج أسوار ضميره، والإمام طرق أوتار الجارية: حرٌ أم عبد؟ ومن الناس من ينادي بالحرية الشخصية ولم يسمع نداء الضمير، لماذا ألبس هذا وأسمع تلك أغنية، ولماذا هذا المطرب يهز وجداني أو تلك المطربة أو الممثلة أو المثل.
نعيش إسقاطات الحرية الزائفة، ومنها مسلسل حمدية الذي أحدث الضجيج فينا، فمنهم من يؤيد ومنهم من يلعن ويشتم، وفي الخفاء يشاهد، هذه إسقاطات تحت غطاء الحرية، ولم ننظر إلى مفهوم الإمام من قصة بشر الحافي الذي لم يتردد في ترك الشهوة والعودة إلى القيمة الأخلاقية التي خلق الإنسان من أجلها، وهي العبودية بمعنى التسليم، ترك خلفه زيف الشهوة وادعاءات التي ترهقنا، وكيف نترك الألقاب ومراكز سعينا لأجلها ونتفاخر بها.
إن خروج بشر الحافي من أُر الصدمة إن يلبس نعليه، هذه الصدمة التي علينا أن نجعلها في طريقنا، والدرس الذي علينا اتباعه وتصحيح مسار حياتنا، ونجد الكلمة التي تركها الإمام في الجارية التي نقلتها إلى سيدها، وهو أسلوب نفتقر إليه في حياتنا اليومية. فالإمام لم يضرب الجارية ولا صاحب الدار ويلعنهما، بل عمد إلى السؤال: هل هو حرٌ أم عبد؟ وهي كفيلة بأن تضع الإصبع على الجرح، وهذا الأسلوب لم ينفر القلوب. علينا اتباعه في الأسرة والمجتمع لنصنع مجتمعاً هادئاً متحضراً ينبذ الصراخ...

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!