مقدمة:
_ طوال مسيرة البشرية تعصف بالمجتمعات وتزلزلها العواصف والمصائب والكثير من الجراحات، وتتموج الأرواح للبشر تبعاً لتموجات تلك العواصف، ولكن في طول تلك المسيرة كانت البشرية تجد روافد للأرواح والنفوس والعقول للسمو فوق تلك المصائب والجراحات ولتتعالى النفوس على تلك المعوقات عبر تكرر حضور الأنبياء والأوصياء والأولياء والصالحين في مشهد لافت يبعث على استلهام دروس الصبر والاباء امام كل المعوقات والتحديات، وهاهي مشهدية كربلاء الثبات على المبدأ الحق وقيم العزة والكرامة والدين حاضرة راسخة طوال قرون تمد الانسانية وتلهمهم دروس السمو الروحي والقيمي..!!
_ غير أنك تلاحظ بعض المثقفين المنتمين لبعض الأحزاب والحركات الإسلامية الشيعية _ممن كتاباتهم وترجماتهم عن الفارسية لها حضورها _ ، في انعطافاتهم ومراجعاتهم الفكرية المتأخرة، بدلاً من الاستلهام والاستمداد من عبر التاريخ وعبق الايمان وشعاع شمس الهداية طوال مسيرة التاريخ ليكون لهم خير معين على تجاوز الصدمات والكدمات، تجد أنهم حصلت لهم إرتدادات فكرية وروحية ونفسية من انتماءاتهم الحزبية، لربما لعدم حصولهم على ما يتمنونه بعد التجربة السياسية العراقية التي تصدرها رفاق الأمس وحرم من مكاسبها بعضهم، ولكن..
_ هل هذا بالضرورة يؤدي الى الامتهان للفكر والمعرفة الدينية والفلسفية ورجالاتها بحيث اصبح بعضهم يتجاسر في اساءة واضحة لأعلام وقمم الفكر الإسلامي، بما يشعر المتابع بالأسى لحالهم..
_ هل بالضرورة أن ينسلخ النخبوي في شكل مفرط من كل البنى والأطر والمرتكزات المعرفية والفكرية..
_ اليس من المعيب ان يأتي نخبوي نبت لحم عظام فكره ومعارفه وشيد أساسات بنائه المعرفي من مائدة أعلام وقمم الفكر الإسلامي كالشهيد الصدر والشهيد المطهري والعلامة الطباطبائي والعلامة مصباح اليزدي، ليكرر ويلوك ملاحظةً باتت سمجه رديئة من كثرت ما كرروها من قبله ومن سيأتي بعده وهو ان أولئك القمم الفكرية لا تملك لغة اجنبية وعليه فأطروحاتهم النقدية للفكر والفلسفة الغربية هي نتيجة لعدم امتلاكهم رؤية سليمة ولا صورة صافية عن تلك النظريات والفلسفات، والمتحدث بذلك نفسه في صراحة فاضحة هو أيضاً لايملك لغة أجنبية ولكنه يعتمد على ترجمات وقراءات اعلام الفكر من مصر ليفهم الفكر والفلسفة الغربية.
_ ولا نعلم كيف جاز له ولغيره ممن يلوك ويعجن بذات الملاحظة الاعتماد على ترجمات لأعلام الفكر المصري مع احتمالية ورود ذات الاشكال عليهم وهو عدم فهمهم للنظريات الفلسفية الغربية، ولا يجوز للقمم الإسلامية كالشهيدين الصدر والمطهري أو العلامتين الطباطبائي والمصباح الاعتماد على ترجمات كذلك..
_ والنقولات عن شخصية هنا او هناك تبدي ذات الملاحظة لا تمت للمنهجية النقدية السليمة بصلة، فكما أن هناك شخصيات أبدت هذه الملاحظة هناك شخصيات وازنه بل وبعضها شخصيات أجنبية تعاكس ذلك وترى أن لقمم الفكر الاسلامي الشيعي تحديداً ثقلاً ومتانةً معتداً بها في فهم النظريات الغربية ونقدها..!!
_ ولنقدم مثالاً بالشهيد الصدر وكتابه القيم فلسفتنا الذي تقول عنه أحدى الدراسات الفلسفية لنيل درجة الماستر في الفلسفة من احدى الجامعات الجزائرية:
[ يعتبر هذا الكتاب من المؤلفات الفلسفية المهمة والمتميزة التي وصل صداها عبر العالم آنذاك لأنه يعالج مفهوما جديدا لفهم هذا العالم ككل ولم يقتصر على مفهوم جزئي لفهم جماعة من البشر فقط أو مجتمعا ما، وإنما هو لفهم الوجود الإنساني ككل ،و يتميز بنظرته الشاملة للعالم.].
فإن مراجعة بسيطة سريعة لفهرس مصادره من قبل أي قارئ متابع يلاحظ زيف دعوى ان أمثال الشهيد الصدر اعتمد ترجمات من الدرجة الثالثة أو ماشابهها في المستوى، وعلى مدى هذه العقود من السنين ورغم تكرر طباعة كتب القمم الفكرية الشيعية وتوفرها بكثافة بأيدي الباحثين والنقاد واليوم أصبحت بلغات أخرى، لم تترنح هكذا دعوى الا من قبل هؤلاء المنهزمين نفسياً أو الطامحين والطامعين لأغراض نعزف عن ذكرها..!!
_ ثم أن جدية النخبوي وسلامته النفسية والفكرية تكمن في أن يقدم مشاريعه الفكرية وقراءاته النقدية بمستوى أكثر اتزان وأكثر علمية وبعيد عن ممارسة التسطيح الذي رفضه من غيره، والا فإن زعمه أن كتاباً في بضع مئات من الصفحات لفيلسوف غربي كيف يختصر بصفحة ونصف وان هذا غرور وتسطيح، فأسفي على هكذا سطحية وهزال في النقد والتقييم ، فهل يظن هذا النخبوي أو يريد للمتابع أن يتخيل أن تقرير أطروحة ونظرية لباحث في كتاب تعني أن تأتي بالكتاب الاخر بكله لتكون غير سطحي ولا مغرور ليتحول الكتاب النقدي الى موسوعة من عدة مجلدات .. هل هذا الا علامة فاضحة على تعمد التسطيح والاسراف في توهين اشتغالات العلماء..
المسيرة الفكرية والاشتغالات المعرفية والالتحامات المجتمعية تتطلب بناء روحي ونفسي مستمر ودؤب بالتوازي مع البناء الفكري والعقلي، وأي اخلال بالبناء الروحي والنفسي فإن ذلك يؤدي الى شرخ وتشقق في البناء الفكري.. فتأمل وتدبر

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!