في زمن تتزاحم فيه روايات القوة وتتضارب فيه مفاهيم الشرعية ، يصبح من الضروري إعادة النظر في معنى العدالة وفي حدود النفوذ الدولي ، فالصراعات الكبرى لا تختبر قدرات الجيوش فحسب ، بل تكشف أيضا جوهر الإرادات وصلابة القناعات التي تقف خلفها .
الصراع في عالم اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين ، بل هو اختبار طويل لمفهوم العدالة ولمعنى السيادة ولمكانة الشعوب في معادلة القوة الدولية ، فحين تتدخل قوة كبرى في بقاع متعددة من العالم تحت عناوين مختلفة ، فإن السؤال الحقيقي لا يكون عن الشعارات بل عن النتائج وعن الخرائط التي يعاد رسمها فوق أجساد الضعفاء .
لقد اعتاد النظام الدولي الحديث على منطق التفوق العسكري ، بوصفه وسيلة لفرض الإرادة السياسية ، غير أن التجارب المتراكمة أثبتت أن القوة الصلبة مهما بلغت لا تستطيع وحدها أن تصنع شرعية ، ولا أن تشتري احترام الشعوب ، فالهيمنة قد تنجح في فرض واقع مؤقت لكنها لا تنجح في إقناع الضمير الجمعي بأنها قدر لا يرد ، في هذا السياق تبرز فكرة المقاومة بوصفها تعبيرا عن رفض الذوبان في إرادة الآخر ، فالدول التي تختار المواجهة إنما تعلن تمسكها بحقها في تعريف مصالحها بنفسها بعيدا عن الإملاءات الخارجية ، وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع سياساتها فإن مبدأ الاستقلال يظل قيمة مركزية في وجدان كثير من الشعوب التي خبرت طعم التدخل والعقوبات والضغوط .
إن المعركة في جوهرها ليست بين شعب وآخر ، بل بين رؤيتين للعالم رؤية ترى أن النفوذ حق طبيعي للأقوى ، ورؤية ترى أن السيادة لا تتجزأ وأن الكرامة الوطنية ليست قابلة للمساومة ، وبين هاتين الرؤيتين يقف الرأي العام العالمي حائرا بين خطاب القوة وخطاب الصمود .
النصر في مثل هذه الصراعات لا يقاس فقط بتقدم ميداني أو تراجع عسكري ، بل يقاس بقدرة الطرف على الحفاظ على تماسكه الداخلي وعلى إبقاء فكرته حية في وجدان أنصاره ، فحين تستمر الإرادة رغم الحصار وحين تتماسك الجبهة الداخلية رغم الضغوط ، فإن ذلك بحد ذاته شكل من أشكال الغلبة المعنوية التي قد تمهد لتحولات أوسع في موازين القوى .
إن التاريخ يعلمنا أن المراحل الانتقالية قد تطول ، وأن موازين القوة قد تميل زمنا لكنها لا تثبت على حال واحد ، فكل قوة تتصور نفسها مطلقة تواجه عاجلا أم آجلا حدودها الموضوعية ، ويبقى العامل الحاسم هو مدى صلابة المجتمعات وقدرتها على التحمل ، وعلى تحويل المعاناة إلى دافع لإعادة بناء ذاتها ،
من هنا يمكن القول إن الصراعات الكبرى لا تحسمها الجغرافيا وحدها ، بل تحسمها الإرادة والقدرة على الاستمرار ، فالطرف الذي يحافظ على إيمانه بقضيته ، وعلى تماسُك مجتمعه يمتلك مقومات التفوق البعيد المدى ، حتى لو بدت الصورة الآنية معقدة ومفتوحة على احتمالات متعددة .
من هذا المنطلق سيكون النصر بلا ادنى شك حليفاً لاصحاب العقيدة الراسخة والثابتة في الجمهورية الاسلامية ، والعاقبة للمتقين .


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!