كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

حين تعجز الدولة عن بناء سوق... تهدم بسطة !!

هكذا تبنى البلدان لا بالجرافات التي تهدم ما صنعته الحاجة ، ولا بالقرارات التي تبدأ دائما من الحلقة الأضعف في المجتمع ، وإنما تبنى حين تخلق الدولة اقتصادا يوفر العمل ، ويصون الكرامة ويمنح المواطن بديلا حقيقيا ، قبل أن تطلب منه مغادرة المكان الذي احتمى به من الفقر .

في الأسواق الشعبية يقف أناس بسطاء لم يختاروا الرصيف حبا بالفوضى ، ولا رغبة في مخالفة القانون وإنما وجدوا فيه المساحة الوحيدة التي يستطيعون من خلالها تأمين قوت عائلاتهم ، فالبائع الذي يقف منذ سنوات خلف بسطته قد لا يملك وظيفة ولا محلا ، ولا رأسمالا يسمح له بالدخول إلى عالم التجارة المنظمة ، ولذلك أصبح الرصيف بالنسبة إليه أشبه بسوق صغير يعيش منه لا مكانا يتحدى فيه الدولة ، ونعم إن إشغال الرصيف تجاوز قانوني ينبغي معالجته لكن معالجة التجاوز لا تعني بالضرورة سحق مصدر الرزق ، فخلف كل بسطة قصة بيت وخلف كل عربة عائلة وخلف كل محل صغير إنسان اختار العمل حين لم يجد الدولة قادرة على توفير فرصة أخرى له .

لكن ماذا عن تجاوزات الدولة
إذا كانت الحكومة تريد أن تفتح ملف التجاوزات بكل شجاعة ، فعليها ألا تنظر إلى الشارع وحده فهناك تجاوزات أكبر لا تراها الجرافات ، ولا تظهر في سجلات البلدية ، فعدم توفير فرص العمل تجاوز على حق الإنسان في أن يعيش من جهده ، وغياب الكهرباء والماء المستقرين تجاوز على أبسط شروط الحياة ، وأزمة السكن تجاوز على حق المواطن في الاستقرار ، وانخفاض رواتب المتقاعدين وشريحة واسعة من الموظفين أمام ارتفاع الأسعار تجاوز على كرامة من أفنى عمره في خدمة الدولة ، فكيف يمكن أن نطلب من المواطن احترام النظام بينما يشعر أن النظام نفسه لم يوفر له أبسط مقومات الحياة .

لا أحد يرفض تنظيم المدن وإزالة التجاوزات فالشارع ملك للجميع والرصيف حق للمارة ، والأسواق تحتاج إلى نظام لكن الدولة التي تفكر بعقل الإصلاح لا تبدأ بإزالة البسطات قبل أن تهيئ البدائل ، فلتفتح الحكومة أسواقا شعبية منظمة في الأحياء ، ولتمنح أصحاب البسطات أماكن بديلة بإيجارات معقولة ، ولتمنحهم تراخيص واضحة ولتوفر لهم الخدمات الأساسية ، حتى يتحول المتجاوز إلى صاحب عمل قانوني بدلا من أن يتحول بعد ساعات الإزالة إلى عاطل جديد يبحث عن قوت يومه ، فإذا كان الهدف هو تنظيم المدينة فليكن التنظيم انتقالا من الفوضى إلى النظام ، لا انتقالا من العمل إلى البطالة .

من السهل جدا أن تكون الدولة قوية أمام بائع لا يملك سوى عربة صغيرة ، ومن السهل أن تتحرك الآليات الثقيلة لإخلاء سوق شعبي خلال ساعات ، لكن القوة الحقيقية تظهر عندما تواجه الحكومة أسباب الفقر والبطالة ، وتعيد بناء الاقتصاد وتخلق فرص العمل ، وتوفر الخدمات وتفتح أبواب الاستثمار أمام المواطن البسيط ، فالدولة لا تقاس بقدرتها على إخلاء الرصيف ، وإنما بقدرتها على جعل المواطن لا يحتاج إلى احتلال الرصيف أصلا .

إذا كانت الحكومة تريد إزالة التجاوزات فلتبدأ بتجاوزاتها هي ، أولا ولتسأل عن المواطن الذي لا يجد عملا ، وعن المتقاعد الذي لا يكفي راتبه ، وعن الأسرة التي تعيش تحت رحمة المولدات ، وعن الشاب الذي أمضى سنوات يبحث عن وظيفة وعن العائلة التي عجزت عن امتلاك بيت ، وعن المواطن الذي يدفع ثمن خدمات يفترض أن تكون من أبسط واجبات الدولة فهذه الملفات ليست أقل أهمية من بسطة على الرصيف ، بل هي أصل المشكلة وجذرها وعندما تعالج الحكومة هذه الجذور فإن كثيرا من التجاوزات ستسقط من تلقاء نفسها .

نظموا الأسواق وأزيلوا التجاوزات ولكن لا تجعلوا القانون طريقا إلى تجويع الفقير ، ابنوا السوق قبل أن تهدموا البسطة ، وافتحوا باب العمل قبل أن تغلقوا باب الرزق لأن الدولة التي تهدم مصدر عيش المواطن دون أن تمنحه بديلا لا تبني مدينة منظمة ، وإنما تنقل الفقر من الرصيف إلى البيوت .

يبدو أن الحكومة اكتشفت أخيرا سر نهضة الأمم ، وهو أن أسرع طريق إلى الإصلاح يبدأ من بسطة بائع الفلافل ، وينتهي بعربة بائع الخضار ، ولذلك لا داعي لإزعاجها بملفات البطالة والكهرباء والماء والسكن والرواتب ، ولا داعي لسؤالها عن الأسواق البديلة فهذه كلها قضايا تحتاج إلى اقتصاد وخطط ووقت ، أما البسطة فحلها أسهل بكثير جرافة واحدة تكفي ، وهكذا نستطيع أن نعلن للعالم أننا انتصرنا على التجاوزات بعد معركة بطولية لم نخسر فيها سوى قوت يوم فقير .

ما أقسى أن يتحول الوطن الذي أحببناه إلى مكان نشعر فيه بالغربة ونحن نراه يضيق على الفقير كلما اتسعت فيه مساحات الظلم ،
وما أوجع أن يصل الإنسان إلى لحظة لا يكره فيها وطنه ، بل يكره كل ما جعل الوطن غريباً عن قلبه .

✦ كتابات في الميزان ✦

يناقش المقال المفارقة بين مطالبة أصحاب البسطات باحترام القانون وعجز الدولة عن توفير أسواق بديلة وفرص عمل تصون كرامتهم. فتنظيم المدن ضرورة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى حملة تهدم مصدر رزق الفقير وتدفعه من العمل إلى البطالة. ويؤكد الكاتب أن قوة الدولة الحقيقية لا تظهر أمام عربة صغيرة، بل في قدرتها على معالجة الفقر والبطالة وأزمات السكن والخدمات. فالإصلاح يبدأ ببناء السوق قبل هدم البسطة، وفتح باب العمل قبل إغلاق باب الرزق.

السوق.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!