كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

بين بريق العلاقات. وعتمة الإبداع: هل بات الفنان مجرد صناعة؟

بين بريق العلاقات. وعتمة الإبداع: هل بات الفنان مجرد صناعة؟

​في الزمن الراهن، يطرح سؤال قلق نفسه على الساحة الثقافية: هل ما زلنا نعيش عصر الفن، أم انحدرنا إلى عصر، صناعة الفنان؟ الفارق بينهما ليس لغوياً فحسب، بل هو فجوة عميقة تفصل بين الموهبة الفطرية وبين الكيانات التي تُصنع في مختبرات النفوذ والمعارف.
​1. الفنان كمنتج "جاهز للتسويق"
​لقد تحول الفن في كثير من جوانبه إلى "صناعة" تخضع لقوانين السوق لا لقوانين الجمال. الفنان اليوم، في كثير من الأحيان، لا يقدم نفسه من خلال ريشته أو صوته أو قلمه، بل من خلال "شبكة علاقاته". أصبح القرب من دوائر السلطة (سواء كانت سلطة سياسية، مالية، أو إعلامية) هو المعيار الأساسي للظهور.
​في هذه المنظومة، لا يُصنع الفنان بالتدريب والممارسة، بل يُصنع بـ:
​الحظوة الاجتماعية: القدرة على التواجد في الدوائر "الصحيحة".
​الدعم المؤسساتي: الذي يوجه الأضواء نحو أسماء بعينها، ليس لجودتها، بل لولائها أو لتمثيلها توجهاً معيناً.
​الآلة الإعلامية: التي تلمع "أنصاف المواهب" وتحولهم إلى أيقونات زائفة.
​2. الفنان الحقيقي: ضريبة العزلة والصدق
​على الضفة الأخرى، يقبع الفنان الحقيقي؛ ذاك الذي لا يملك سوى صدقه، ولا يتقن فن "التزلف" أو طرق أبواب السلطة. هذا الفنان غالباً ما يجد نفسه "منسياً" في زوايا الإهمال.
​لماذا يُنسى الفنان الحقيقي؟
​استقلاليته: الفنان الحقيقي يرفض أن يكون بوقاً أو أداة، مما يجعله "صعب المراس" في نظر صناع القرار الفني.
​عمق الطرح: الفن الحقيقي يحتاج إلى تأمل، بينما تبحث "الصناعة" عن الاستهلاك السريع والسطحي.
​غياب "الوسيط": في عالم يحكمه "السمسار الثقافي"، يفتقر المبدع الحقيقي للمهارات التسويقية التي تضعه في الواجهة.
​"إن الفن الذي يولد في مكاتب السلطة يموت بمجرد تغير الكراسي، أما الفن الذي يولد من معاناة الإنسان وصدقه، فهو الذي يكتب له الخلود، حتى وإن ظل صاحبه منسياً لقرون."
​3. مأزق المشهد الثقافي
​إن خطورة تحول الفنان إلى صناعة "قريبة من السلطة" تكمن في تزييف الوعي الجماعي. عندما يتقدم "المتصلون" ويتراجع "المبدعون"، تهبط الذائقة العامة، وتصبح الثقافة مجرد ديكور لتزيين الواقع لا لتشريحه أو نقدة.
​إننا نعيش مفارقة غريبة: الأضواء مسلطة على من لا يملك المحتوى، والعتمة تلف من يملك الجوهر.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!