يبدأ التلميذ في المدارس العراقية منذ سنواته الدراسية الاولى بالدخول في دوامة الدرجات والامتحانات. فهناك درجات للفصل الاول وامتحانات لنصف السنة ثم درجات للفصل الثاني ثم امتحان نهاية السنة. وهكذا يتحول العام الدراسي كله الى سلسلة من الارقام التي تلاحق الطفل وتحدد مستواه وكأن الهدف من التعليم في هذه المرحلة هو جمع الدرجات لا بناء شخصية المتعلم. والادهى من ذلك قيام بعض المدارس بوضع خطوط حمر في الدروس التي يرسب بها مما يترك اثرا نفسيا سلبيا عميقا لا يمكن معالجته بسهولة. هذا النظام يضع الطفل تحت ضغط نفسي مبكر وقد يخلق لديه شعورا بالمقارنة المستمرة مع زملائه. فالطفل الذي يحصل على درجات اقل قد يشعر بالاحباط او يفقد ثقته بنفسه وقد تنكسر رغبته في الدراسة بل قد يبدأ بكره المدرسة. والحقيقة ان التقييم في هذه السن يجب الا يكون وسيلة للتمييز بين التلاميذ بل وسيلة لفهم قدراتهم ومساعدتهم على التطور.
لذلك قامت الانظمة التعليمية الحديثة بأستبدال الدرجات بتقارير تقييم وصفية تقدم صورة متكاملة عن تطور التلميذ. فبدلا من الارقام يحصل التلميذ على تقرير تربوي شخصي يوضح مستواه العلمي وسلوكه داخل الصف ومدى التزامه بالمسؤوليات واحترامه للقوانين وتنظيمه لوقته وقدرته على العمل مع زملائه واحترام اراء الاخرين. كما يتضمن التقرير مستوى الفضول العلمي لدى التلميذ ومشاركته في النقاشات الصفية وقدرته على طرح الاسئلة والتفكير وحل المشكلات. ويشمل التقييم ايضا تطور مهاراته في القراءة والكتابة والتعبير الشفهي وقدرته على فهم النصوص. ومن الجوانب المهمة في هذه التقارير ايضا انها تتضمن ملاحظات عن مواقف او احداث تعليمية مر بها التلميذ خلال الفصل الدراسي وتحدد تاريخ هذه الحالة التي تكشف عن قوة مهاراته في مجال معين مثل قدرته الذهنية الاستثنائية او تميزا في الرياضيات او العلوم او امتلاكه قدرات استثنائية في لعبة كرة القدم. ويتضمن التقرير المدرسي ايضا تقييما لمدى استفادة الطالب من المنهاج المدرسي الذي يتضمن موضوعات تربوية عامة مثل الالتزام بالقوانين والعمل التطوعي واحترام الابوين والمعلمين والصدق والامانة ونبذ التنمر وحب زملاءه والتعاون معهم فهذه القيم تعد جزءا اساسيا من التربية.
ان هذه الملاحظات تساعد الابوين على اكتشاف نقاط القوة لدى طفلهم وتشجعهم على تطويرها. وغالبا ما تكون هذه التقارير فصلية وسنوية بحيث تتابع تطور الطفل بشكل مستمر وتتيح معالجة اي ضعف مبكرا بطرق تربوية مناسبة داخل المدرسة. كما ان المناهج الحديثة لا تطلب من العائلة ممارسة اي ضغط دراسي في المنزل او اثقال الطفل بواجبات طويلة فالبيت يجب ان يكون مكانا للراحة واللعب بينما تبقى مسؤولية التعليم ومعالجة اي ضعف على عاتق المدرسة والمعلمين. اما موضوع الدروس الخصوصية فهذا امر مرفوض قطعا.
ان الانتقال من ثقافة الدرجات الى ثقافة التقييم التربوي الشامل يمكن ان يغير كثيرا من طبيعة العلاقة بين الطفل والمدرسة في العراق. فالمدرسة الابتدائية يجب ان تكون مكانا يكتشف فيه التلميذ نفسه ويطور قدراته ويحب التعلم لا مكانا يخاف فيه من الرقم الذي سيكتب في نهاية ورقة الامتحان. وعندما يصبح الهدف من التقييم هو فهم شخصية الطفل وتنمية مواهبه ومعالجة نقاط ضعفه تتحول المدرسة الى بيئة تربوية حقيقية تبني انسانا واثقا بنفسه ومحب للمعرفة وقادرا على التعلم طوال حياته. اتمنى ان تستفيد وزارة التربية من هكذا تجارب وتطور مناهج المدارس في بلدنا.
وارفق ادناه جزء من التقرير النهائي لاداء ابني وهو في الصف الرابع ابتدائي في احدى المدارس الكندية توضح طريقة تقييمه في نهاية العام الدراسي. ويتضمن التقرير تفاصيل كثيرة اخرى لا مجال لذكرها هنا حول ما مر خلال العام الدراسي.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!