لم يكن شهر رمضان المبارك محطّة زمنيّة عابرة في التّقويم الإسلامي، بل هو مشروع إصلاح سنويّ، أراده الله عز وجل ليكون فرصة ذهبيّة للإنسان، يُعيد فيها تأهيل ذاته نفسيًّا وروحيًّا وسلوكيًّا، ففي هذا الشّهر تتكثّف العبادات، وتُفتح أبواب السّماء، وتُصفّد الشّياطين، وكأن الإنسان مُنح فرصة ليبدأ من جديد، ويصحح مساره ويعود إلى فطرته الأولى، قال تعالى: {شهرُ رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس}( )، ولذلك يأتي شهر رمضان ليعيد ترتيب علاقة الإنسان بربّه، بعد أنْ أرهقته مشاغل الدّنيا وأثقلته الغفلة والذّنوب، فالصيام يوقظ الشّعور الدّائم بمراقبة الله؛ لأنّ الصّائم يترك ما تشتهيه نفسه في الخفاء قبل العلن، وهنا تتجلّى حقيقة الإخلاص، إذ لا يطّلع على صدق الصّيام إلا الله، ومن هذا المنطلق قال الإمام علي (عليه السّلام): ((الصّوم عبادةٌ بين العبدِ وخالقِه، لا يطّلع عليها غيره، وكذلك لا يُجازي عنها غيرُه)).
لقد جعل الله عز وجل الّصيام بابًا للتقوى، إذ قال تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا كُتب عليكم الصّيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتقون}، فالتقوى ليست ثمرة معنويّة مؤقّتة، وإنّما وعي دائم بحضور الله في تفاصيل الحياة، وهذا هو جوهر الإصلاح الحقيقي، ومن خلال ذلك يكون شهر رمضان مدرسة عمليّة لضبط النّفس وكبح جماح الشّهوات، فالجوع والعطش ليسا غاية الصّيام، بل هما وسيلة لتربية الإرادة وتعويد النّفس على الصّبر والتّحمل، ومن هنا نفهم قول النّبي محمد (صلى الله عليه وآله): ((كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والعناء))، في دلالة منه على أنّ الصّيام الحقيقي هو ما يُثمرُ وعيًا وسلوكًا، كما أنّه يُسهم في تدريب النّفس على تجاوز الأزمات، وحدة الطّباع كالغضب وضبط اللّسان، وتصفية القلب من الأحقاد والضّغائن، ليخرج الإنسان من هذا الشّهر بنفسٍ أكثر هدوءًا وطمأنينة، وروح أكثر نقاء وصفاء.
إنّ من مميزات هذا الشّهر العظيم هو نزول القرآن الكريم، فقد اختار الله عز وجل شهر رمضان المبارك لنزول القرآن الكريم، ليكون فرصة للإرتقاء نحو الكمال فالصوم يطهر الجسد، والقرآن يزكّي الرّوح، وبذلك فإنّ نزول القرآن الكريم في شهر رمضان لم يكن مصادفة، بل لأنّ هذا الشّهر هو الزّمن الأمثل لإحياء العلاقة مع الوحي، وحينما يتغذّى العقل بنور القرآن فإنّه يقوم بتصحيح المفاهيم الخاطئة، ويتمكّن من بناء الموازين الأخلاقيّة، فيستعيد الإنسان ذاته وقدرته بوساطة الصّيام وتلاوة القرآن على التّمييز بين الحق والباطل في زمن يشهد اضطرابا شديدًا في القييم والمعايير.
كما أن المجتمع الذي يعيش أجواء شهر رمضان الرّوحية يكون مجتمعًا أقل أنانيّة وأكثر رحمة وأقرب إلى الصدق والعدالة، وبذلك يزداد الارتباط الاجتماعي مما يسهم في انفتاح أفق الإنسان نحو تعزيز قيمة العطاء والبذل، فالصيام يوقظ الإحساس بالفقراء ويعيد الاعتبار لقيمة العطاء ويزرع روح التكافل والزكاة والصدقات، فتتحول تلك الأعمال إلى أدوات إصلاح اجتماعي حقيقي، وبذلك فإن شهر رمضان يعلم الإنسان أن التغيير ممكن وأنّ النّفس قابلة للتهذيب، وإن الإنسان قادر على أن يكون أفضل مما هو عليه، فشهر رمضان ليس شهر طقوس مؤقتة إنما مشروع إصلاح سنوي متكامل يعيد تشكيل الإنسان على أساس التقوى وقوة العقيدة والالتزام.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!