يتردد في الخطاب العام أن منصب رئيس الجمهورية في العراق رمزي أو شرفي، قياسا على طبيعة النظام النيابي الذي تبناه دستور 2005. هذا الاعتقاد الشائع الذي تسلل إلى الخطاب السياسي والإعلامي يظهر كم نحن بعيدون عن الفهم الدستوري العميق. إن القراءة الدقيقة لمواد الدستور وممارسات الحياة الدستورية والسياسية منذ عام 2005، تظهر بوضوح أن هذا التصور مبسط ومضلل.
فالدستور العراقي جعل رئيس الجمهورية شريكا أصيلا في السلطة التنفيذية وأسند إليه طيفا واسعًا من الصلاحيات السيادية والتنفيذية، بعضها يُغيّر موازين تشكيل الحكومات وبعضها ينشئ مراكز قانونية وبعضها يمنح رئيس الجمهورية موقعًا مؤثرا في دوائر التشريع والقضاء والأمن والعلاقات الدولية. ولذا فإن توصيف المنصب "بالرمزي" لا يصمد أمام النصوص الدستورية ولا أمام التطبيق العملي.
إن المادة (66) من الدستور تُقرر أن السلطة التنفيذية الاتحادية تتكون من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، وهو تقرير صريح بشراكة رئيس الجمهورية في جسد السلطة التنفيذية، وليس ملحقا بروتوكوليا بها.
كما خول الدستور رئيس الجمهورية مهمة السهر على ضمان الالتزام بالدستور، وهي صيغة ذات دلالة واسعة في النظام النيابي لأنها تنطوي على ولاية رقابية - ضامنة تتجاوز حدود التمثيل الشكلي، وتسمح بمداخل متعددة لتصحيح المسار الدستوري متى وقع الانحراف أو الخلل. وعلاوة على ذلك، فقد رسم الدستور العراقي آلية دقيقة لانتخاب رئيس الجمهورية، تقوم على حصول المرشح على أغلبية ثلثي عدد أعضاء مجلس النواب (المادة 70/ أولًا)، وهي أغلبية عالية ونادرة التحقق في الأنظمة البرلمانية. ان هذا الشرط الصارم لم يأت عبثا بل يعكس رؤية تشريعية واضحة تهدف إلى وضع رئيس الجمهورية في موقع سيادي رفيع ومستقر يحظى بقبول واسع وشرعية سياسية قوية تتجاوز الاصطفافات السياسية الضيقة. فرئيس الجمهورية بوصفه رأس الدولة يُفترض أن يكون شخصية جامعة قادرة على تمثيل الدولة بكامل مؤسساتها والتعبير عن وحدتها، وهو ما يتطلب انتخابه بأغلبية كبيرة تمنحه ثقلا دستوريا وسياسيا واضحا.
وتقرر المادة (67) من الدستور أن رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة، ولذلك نجد أن جميع الدعوات الرسمية من دول العالم والمنظمات الدولية كالأمم المتحدة ومنظمة مؤتمر عدم الانحياز والجامعة العربية وغيرها تكون موجهة إلى رئيس الدولة وهو يقرر من يشارك في تلبية الدعوة سواء حضوره بنفسه أو تكليف رئيس مجلس الوزراء أو أي شخصية يختارها رئيس الجمهورية.
ولا بد من التوضيح ابتداء أن الدستور العراقي يظهر تباينا واضحا بين طبيعة صلاحيات رئيس الجمهورية وصلاحيات رئيس مجلس الوزراء، فبينما يتمتع رئيس الجمهورية بصلاحيات فردية مباشرة يمارسها باسمه دون حاجة إلى موافقة جهة أخرى، مثل إصدار المراسيم الجمهورية والمصادقة على القوانين والمصادقة على أحكام الإعدام وتكليف رئيس مجلس الوزراء والمصادقة على المعاهدات الدولية، نجد أن أغلب صلاحيات رئيس مجلس الوزراء جماعية تُمارس من خلال مجلس الوزراء كهيئة تنفيذية مشتركة وفق المادة (80) من الدستور، مثل اقتراح مشاريع القوانين وإعداد الموازنة وإدارة السياسة العامة للدولة. وبذلك، فإن رئيس الجمهورية يمارس صلاحياته بصفة سيادية مستقلة تمسّ جوهر النظام الدستوري، في حين أن رئيس مجلس الوزراء يعتمد في معظم قراراته على موافقة المجلس مجتمعا ما يجعل سلطات رئيس الجمهورية أكثر مركزية ووحدة بينما سلطات رئيس الوزراء موزعة ومتشاركة في إطار العمل الجماعي للحكومة.
وأدناه أهم الصلاحيات التي خولها الدستور لرئيس الجمهورية مع إبراز دلالتها المؤسسية:
أولا: نقض قرارات المحكمة الاتحادية
يؤكد عدد من أعضاء لجنة كتابة الدستور عام 2005 أن صفة رئيس الجمهورية بالساهر على ضمان الالتزام بالدستور استنادا إلى المادة (67) من الدستور تعطيه كامل الصلاحية في الاعتراض أو نقض قرارات المحكمة الاتحادية عندما يقدّر أنها تمس جوهر الدستور أو تخلّ بتوازن السلطات. وهذه كانت نية المشرع عند تثبيت عبارة (الالتزام بالدستور) لأن حماية الدستور ليست مهمة رمزية بل وظيفة تستلزم امتلاك الرئيس أدوات للتدخل عند الضرورة الدستورية. ولا يُعد هذا التفسير متعارضا مع مبدأ الفصل بين السلطات لأن النظام الدستوري العراقي قائم على التوازن بينها لا على الفصل الجامد. والدليل على ذلك أن رئيس الجمهورية يمتلك صلاحية عدم التوقيع على مراسيم الإعدام على الرغم من صدورها من السلطة القضائية ما يثبت أن السلطات تتشارك في ضبط القرارات المصيرية. وبالقياس، فإن اعتراض الرئيس على قرارات المحكمة الاتحادية يُعد آلية تضمن حماية الدستور وتعزز توازن السلطات لا تدخلا في استقلال القضاء. ومن ناحية أُخرى فأن هذه الفكرة تتعارض مع النص الدستوري في المادة (94) التي تؤكد أن قرارات المحكمة الاتحادية باتة وملزمة للسلطات كافة. لذلك يتطلب توضيح ذلك مزيدا من الدراسات القانونية التي تزيل هذا الاشكال.
ثانيا: تكليف رئيس مجلس الوزراء
إن رئيس الجمهورية هو من يُصدر مرسوم تكليف رئيس مجلس الوزراء لتشكيل الحكومة بعد انتخابات مجلس النواب والذي يتم ترشيحه من الكتلة الأكبر في مجلس النواب. وقد حُسم جدل مرحلة ما بعد تعذر المكلف بتشكيل حكومته بقرار المحكمة الاتحادية العليا رقم (29/2020) الذي أكد أن المرحلة التي تلي اعتذار المكلف بتشكيل مجلس الوزراء وفق المادة 76 من الدستور، يكون الخيار بعدها حصريا لرئيس الجمهورية بتكليف مرشح جديد وأعطته كامل الحرية في اختيار من يراه مناسبا، وليس بالضرورة قيام الكتلة الأكبر بتقديم مرشح آخر. إن هذه الصلاحية تبين بوضوح أهمية هذا المنصب وخطورته في تقرير مستقبل تشكيل الحكومات في البلد.
ثالثا: تولي مهمة رئيس الوزراء
تؤكد المادة (81) من الدستور العراقي أهمية دور رئيس الجمهورية في ضمان استمرارية السلطة التنفيذية إذ خولته تولي مهام رئيس مجلس الوزراء مؤقتا عند خلو المنصب لأي سبب كان، منعا من حدوث فراغ دستوري أو شلل حكومي. وتُعد هذه الفقرة تجسيدا لمبدأ المرونة الدستورية واستقرار الدولة إذ تمنح لرئيس الجمهورية صلاحية مؤقتة تتيح له تصريف الأمور لحين تكليف مرشح جديد من الكتلة النيابية الأكبر. كما تعكس هذه المادة مكانة رئيس الجمهورية كضامن لوحدة البلاد وحام للدستور وأيضا بوصف رئيس الجمهورية ممثلا للشق الأول من السلطة التنفيذية ورئيس الدولة استنادا إلى الدستور العراقي.
رابعا: سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء
منح المشرع الدستوري في الفقرة ثامنًا/أ من المادة 61 من الدستور رئيس الجمهورية بالتنسيق مع مجلس النواب دورا رقابيا على رئيس مجلس الوزراء من خلال تقديمه طلبا لسحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء. ولا يتطلب سوى الأغلبية المطلقة في مجلس النواب (166 نائبًا) لاستكمال عملية سحب الثقة. ولم يحدد الدستور شروط ومتطلبات سحب الثقة من الحكومة بل ترك مطلق الحرية لرئيس الجمهورية مع مجلس النواب لتقرير مصير رئيس الحكومة.
خامسا: تقديم مشاريع القوانين
يمتلك رئيس الجمهورية صلاحية أصلية في تقديم مشاريع القوانين إلى مجلس النواب استنادا إلى المادة (60/ أولًا) من الدستور. وقد ردت المحكمة الاتحادية بقرارها (88/2024) على اعتراض رئيس مجلس الوزراء وطلبه بوجوب مرور مشاريع القوانين التي يقترحها رئيس الجمهورية بمجلس الوزراء، فأقرت المحكمة الاتحادية حق رئيس الجمهورية في إرسال جميع مشاريع القوانين إلى مجلس النواب مباشرة باستثناء مشروع قانون الموازنة والحساب الختامي. إن هذا الدور يُخرج رئيس الجمهورية من دائرة "المصادقة الشكلية" إلى دائرة صناعة الأجندة التشريعية. وقد قامت رئاسة الجمهورية فعليا بإعداد عدة مشاريع قوانين وإرسالها إلى مجلس النواب، ومنها قانون الهيئة العليا لتمكين المرأة وقانون المجلس الأعلى للمياه وقانون التعديل الأول لقانون المخدرات والمؤثرات العقلية وقانون جائزة العراق للإبداع وقانون إفراز الأراضي السكنية وقانون مجلس الاتحاد وقانون استرداد عائدات الفساد، فضلا عن عدة مشروعات قوانين لإلغاء قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل.
سادسا: القائد الأعلى للقوات المسلحة
إن المادة (73/ تاسعا) من الدستور تُرسخ لرئيس الجمهورية موقعا رمزيا سياديا في قمة الهرم العسكري وإن كانت "للأغراض التشريفية والاحتفالية" لتتكامل مع صلاحياته الأخرى (كمنح الأوسمة والنياشين) بما يعزز حضوره في المشهد الأمني الوطني. وقد أكدت المحكمة الاتحادية العليا في قرار لها الحدود الفاصلة بين هذه الصفة الرمزية وصلاحيات القائد العام للقوات المسلحة التي يضطلع بها رئيس مجلس الوزراء. ويمكن مثلا ملاحظة أن الرئيس اللبناني لديه نفس هذه الصفة العسكرية (القائد الأعلى للقوات المسلحة) ونظام الحكم في لبنان يشبه نظام الحكم في العراق (برلماني) ولكن نجد أن الرئيس اللبناني يمارس هذه الصفة من خلال تمثيله للقوات المسلحة اللبنانية في المناسبات الوطنية والعسكرية مثل عيد الاستقلال وحفلات تخرج ضباط المدرسة الحربية واحتفالات ترقيات الضباط ويقوم بإلقاء خطابات وطنية عسكرية تؤكد وحدة الجيش ودوره في حماية الدولة. ويرأس رئيس الجمهورية اللبناني مجلس الدفاع الأعلى، وهو جهاز تنسيقي يُعنى برسم السياسات الأمنية والعسكرية الكبرى. هذا جزء من الأدوار التي أقرها المشرع الدستوري في العراق لمنصب رئيس الجمهورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة.
سابعا: المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية
تُبرز المادة (73/ثانيا) من الدستور العراقي أهمية الدور السيادي لرئيس الجمهورية في السياسة الخارجية إذ منحته صلاحية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بعد موافقة مجلس النواب ما يعكس مبدأ توزيع الاختصاصات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. فرئيس الجمهورية يُمثل الدولة في التزاماتها الدولية ويضمن انسجامها مع الدستور والمصلحة الوطنية، بينما يوفر البرلمان الرقابة الديمقراطية على مضمون تلك الاتفاقيات. وتكمن أهمية هذه المادة في تحقيق التوازن الدستوري وضمان أن لا تكون السياسة الخارجية خاضعة لإرادة جهة واحدة بل تعبر عن إرادة الدولة العراقية بمؤسساتها كافة بما يعزز سيادتها ومكانتها الدولية.
ثامنا: إعلان حالة الطوارئ
إن حالة الطوارئ لا تُعلن إلا بموافقة مجلس النواب بأكثرية الثلثين وبناء على طلب مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء وذلك استنادا إلى المادة 61 من الدستور العراقي، أي أن قرار التعبئة الدستورية العليا للدولة ليس بيد جهة تنفيذية منفردة بل يستلزم توقيع رئيس الجمهورية بما يعكس الشراكة الكاملة في اتخاذ أخطر القرارات السيادية.
تاسعا: دعوة مجلس النواب للانعقاد
تُعد دعوة رئيس الجمهورية لانعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب خطوة دستورية أساسية تمثل الانطلاقة الرسمية للحياة النيابية في كل دورة انتخابية. فبموجب المادة (54) وكذلك المادة 73/رابعا من الدستور العراقي يتولى رئيس الجمهورية دعوة المجلس للانعقاد خلال 15 يوما من المصادقة على نتائج الانتخابات ما يعكس دوره كضامن لاحترام المدد الدستورية واستمرار مؤسسات الدولة. وتكمن أهمية هذه الدعوة في أنها تؤذن ببدء ممارسة السلطة التشريعية مهامها في انتخاب رئيس المجلس ونائبيه ثم اختيار رئيس الجمهورية نفسه لتتسلسل بعدها بقية الإجراءات الدستورية. وبذلك فهي تمثل رمز الانتقال من المرحلة الانتخابية إلى ممارسة السلطة الدستورية الشرعية.
عاشرا: المصادقة على القوانين
إن المادة (73/ثالثا) من الدستور العراقي ذات أهمية جوهرية في العملية التشريعية إذ تشترط مصادقة رئيس الجمهورية لاستكمال دورة إصدار القوانين. فهذه المصادقة تمثل المرحلة النهائية التي تُضفي على القانون صفته الرسمية قبل نشره في الجريدة الرسمية ودخوله حيز النفاذ. ورغم أن الدستور عد القانون مصادقا عليه حُكما بعد مرور خمسة عشر يوما من تسلمه إلا أن امتناع الرئيس أو تأخره في المصادقة قد يؤدي إلى تعطيل نفاذ القانون وتأخير تطبيقه فعليا، كما حدث في مناسبات سابقة. لذا، تُجسد هذه المادة توازنا بين السلطات وتؤكد دور الرئيس كضامن لشرعية التشريع واحترام الإجراءات الدستورية.
أحد عشر: العفو الخاص
يُعد العفو الخاص من أبرز الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية في العراق وقد نصّت المادة (73/أولا) من دستور عام 2005 على أن "يصدر رئيس الجمهورية العفو الخاص بناء على توصية من رئيس مجلس الوزراء، باستثناء ما يتعلق بالحق الخاص والمحكومين في الجرائم الدولية والإرهاب والفساد المالي والإداري". وتُظهر هذه المادة أن العفو الخاص عمل رئاسي ذو طابع إنساني وقانوني يهدف إلى إسقاط أو تخفيف العقوبة عن أشخاص محددين بعد صدور حكم قضائي بات، دون أن يغير من وصف الجريمة. وتمثل هذه الصلاحية مظهرا من مظاهر التوازن بين العدالة والرحمة، إذ يُمارس الرئيس دوره كرمز لوحدة البلاد وحارس للنظام القانوني. وبهذا يجسد العفو الخاص دور الرئاسة في تعزيز الاستقرار والمصالحة الوطنية مع احترام مبدأ سيادة القانون.
اثنا عشر: المصادقة على أحكام الإعدام
إن مصادقة رئيس الجمهورية على أحكام الإعدام خطوة دستورية جوهرية تهدف إلى تحقيق العدالة وحماية حقوق الإنسان. فهي تمثل مرحلة رقابية عليا تضمن سلامة الإجراءات القضائية ومنع أي خطأ قد يؤدي إلى إزهاق روح بريئة. كما تعكس توازنا بين السلطتين القضائية والتنفيذية، إذ لا يُنفذ الحكم إلا بعد موافقة رئيس الدولة بوصفه رمزا لوحدة البلاد وحامي الدستور. وتمنح هذه الصلاحية لرئيس الجمهورية فرصة لتقدير الظروف الإنسانية أو السياسية الخاصة مما يجعل المصادقة ضمانا دستوريا يؤكد احترام الدولة لسيادة القانون وحق الإنسان في الحياة، وليست إجراءً شكليا.
ثلاثة عشر: قبول اعتماد السفــــراء
إن قبول اعتماد السفراء الأجانب من أبرز مظاهر سيادة الدولة وتمثيلها الخارجي إذ لا يباشر أي سفير مهامه في العراق إلا بعد تقديم أوراق اعتماده إلى الرئيس وقبولها رسميا. وتكمن أهمية هذا الإجراء في أنه يمنح الشرعية الدبلوماسية للعلاقات بين العراق والدول الأخرى، ويُعد من الرموز البروتوكولية للسيادة والاستقلال السياسي. كما أنه يُعطي لرئيس الجمهورية صلاحية تقديرية في رفض المرشح إذا وجدت مؤشرات تمس بالأمن الوطني أو المصالح العليا للدولة. وتدل هذه الصلاحية على أن الرئاسة تُجسد الواجهة الرسمية للعراق وتؤدي دورا محوريا في ضبط العلاقات الدولية وفق الأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها.
أربعة عشر: تعديل الدستور
إن لرئيس الجمهورية "بوصفه الساهر على ضمان الالتزام بالدستور" واجبا رقابيا في أن تكون إجراءات التعديل متوافقة مع نصوص الباب الرابع من الدستور الذي يحدد آلية تعديل المواد الدستورية. فكل انحراف عن هذه الإجراءات يمكن أن يُعد انتهاكا للدستور ما يخول الرئيس التدخل أو الامتناع عن المصادقة لحماية النص الدستوري من التلاعب السياسي. واستنادا إلى المادة 126 من الدستور فان لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين تقديم اقتراح تعديل الدستور، وبذلك اُشرك رئيس الجمهورية مع مجلس الوزراء بأكمله في هذا الأمر الخطير.
خمسة عشر: حلُّ مجلس النواب
استنادا إلى المادة (64) من الدستور يُعد رئيس الجمهورية ركنا محوريا في عملية حل مجلس النواب وليس مجرد جهة شكلية. فهو يمارس دورا فاعلا وضمانة دستورية تحول دون أي حل تعسفي أو مخالف للدستور إذ لا يكون قرار الحل نافذا إلا بموافقته وإصداره مرسوما جمهوريا يعلن الحل ويدعو إلى انتخابات جديدة خلال المدة المحددة. وبهذا يمثل الرئيس عنصرا اساسيا لتوازن النظام البرلماني العراقي إذ يضمن انتقالا دستوريا منظما بين الدورات التشريعية ويحافظ على استقرار العملية السياسية ويمنع أي فراغ أو انحراف عن المسار الدستوري السليم.
ستة عشر: إصدار المراسيم الجمهورية
إن المراسيم الجمهورية ليست مجرد أوراق شكلية بل هي أداة قانونية منشئة لمراكز قانونية (لا كاشفة عنها فحسب) تتصل بالتعيين والإحالة على التقاعد في الدرجات الخاصة وبعض المواقع الحساسة ومنها ما يرتبط بالقضاة والسفراء وقادة الجيش. وقد شهد الواقع العملي امتناع فخامة رئيس الجمهورية د. عبد اللطيف رشيد عن التوقيع على مناصب محددة في حالات معينة بسبب عدم توفر شروط شغل المنصب وهو ما يعادل "فيتو مؤسساتي" يفرض إعادة التقييم. فلا يكتسب حينها السفير العراقي الذي صوت عليه مجلس الوزراء ومجلس النواب وكذلك القاضي الذي رشحه مجلس القضاء الأعلى صفته القانونية الكاملة أو يحال إلى التقاعد رسميا إلا بعد صدور المرسوم الجمهوري. ولذلك فإن هناك مخالفة صريحة لقانون الخدمة المدنية رقم 24 لسنة 1964 في آلية تعيين المديرين العامين والذي يجري حاليا عبر إصدار أمر ديواني من مجلس الوزراء، بينما تنص المادة (ثامنًا) من قانون الخدمة المدنية على أن (تعيين الوظائف الخاصة (كمدير عام) يتم بمرسوم جمهوري يصدر بناء على اقتراح الوزير المختص وموافقة مجلس الوزراء)، وبذلك لا بد من إصدار المرسوم الجمهوري بتوقيع رئيس الجمهورية في تعيين المديرين العامين وهذا بحكم القانون. ولا يمكن تغيير هذه الآلية إلا عبر إجراء تعديل على القانون في مجلس النواب.
سبعة عشر: صلاحيات أخرى
وهناك صلاحيات أخرى عديدة لرئيس الجمهورية في قوانين وتشريعات سابقة ولم يتم تعديلها أو إلغاؤها لغاية اليوم. فعلى سبيل المثال، ما زال رئيس الجمهورية يمارس صلاحيته في الموافقة على عودة اللاجئين الأجانب المقيمين في العراق والذين تتجاوز مدة سفرهم خارج العراق لأكثر من شهر استنادًا إلى المادة 17 من قانون اللاجئين السياسيين رقم 51 لسنة 1971. ولرئيس الجمهورية حسب المادة 39 من قانون التقاعد الموحد لسنة 2014 صلاحية الاقتراح إلى مجلس النواب بتخصيص راتب تقاعدي لا يزيد عن مليوني دينار للرموز الوطنية العراقية. ومثال آخر هو صلاحية رئيس الجمهورية بتوجيه كتاب شكر للعسكريين وموظفي الدولة يمنحهم قدما وظيفيا لمدة ستة أشهر وفقا لقرار مجلس قيادة الثورة (المنحل) رقم 155 لسنة 2000. ولا يملك هذه الصلاحية سوى رئيس الجمهورية. وإن سحب هذه الصلاحية إلى رئيس مجلس الوزراء إجراء غير قانوني لأنه لا يستند إلى إي مادة قانونية. وتبرر الأمانة العامة لمجلس الوزراء قرارها بأن رئيس الجمهورية في النظام السابق كان يشغل منصب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء في الوقت ذاته أما الآن وفي ظل تبني المُشرع الدستوري النظام البرلماني القائم على ثنائية السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء)، وفي ظل نفاذ التشريعات ينقسم هذا الاختصاص (منح كتب الشكر) بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء فهما يتشاركان في الاختصاص. وهذا الرأي مخالف لرأي مجلس الدولة الذي جعل من هذا الاختصاص حصريا برئيس الجمهورية بغض النظر عن طبيعة النظام الجديد.
وبعد ذكر الصلاحيات والاختصاصات القانونية والدستورية لرئيس الجمهورية، لا بد من التذكير بالدور المهم لرئيس الجمهورية في إدارة المشهد السياسي من خلال رئاسته للاجتماع الدوري للرئاسات الأربع والذي يُعقد في قصر بغداد ويضم رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس القضاء الأعلى. وقد أصبح هذا الاجتماع منذ عهد الرئيس الراحل جلال طالباني إلى الآن أداة وطنية لتنسيق المواقف وتصويب مسار العملية السياسية وإدارة الأزمات وصناعة التوافق الوطني وليس مجرد اجتماع بروتوكولي. وتضمَّن آخر اجتماع للرئاسات الأربع توجيهات صارمة إلى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات باعتماد توصيات الاجتماع ضمن لائحة السلوك الانتخابي. إن وجود رئيس الجمهورية على رأس هذا الاجتماع يمنحه طابعا دستوريا ووطنيا عاما بعيدا عن حسابات الكتل السياسية.
وختاما، يتضح لنا أن منصب رئيس الجمهورية في العراق يمثل ركنا سياديا محوريا في بنية الدولة ودعامة أساسية لضمان التوازن السياسي وصون النظام الديمقراطي. فقد منح الدستور العراقي رئيس الجمهورية مكانة تنفيذية مؤثرة تجعله شريكا أصيلا في إدارة شؤون الدولة، وإن شيوع فكرة أن منصب رئيس الجمهورية رمزي أو بروتوكولي لا يعكس الحقيقة الدستورية والقانونية للمنصب بل يمثل قراءة سطحية تتجاهل المهام الخطيرة التي يضطلع بها رئيس الجمهورية والتي تم شرحها باختصار في هذه المقالة.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!