لا يكمن الخطر الحقيقي في الارتفاع الكبير لأعداد خريجي الجامعات والمعاهد في العراق في عدم قدرة الدولة أو القطاع الخاص على استيعابهم وظيفيا فحسب بل في ما هو أخطر من ذلك وهو نوعية هؤلاء الخريجين ومستوى جاهزيتهم الفعلية لسوق العمل. فالتوسع الكمي في التعليم العالي غير المصحوب بجودة تعليمية وتدريب عملي كاف أفرز أعدادا كبيرة من الخريجين الذين يحملون شهادات أكاديمية دون امتلاك المهارات التطبيقية اللازمة لأداء مهامهم المهنية بالشكل الصحيح. وقد تحّول التدريب في كثير من التخصصات إلى إجراء شكلي لا يرقى إلى متطلبات المهنة، الأمر الذي لا يهدد فرص التوظيف فحسب بل ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للمواطن ويكشف خللا بنيويا في العلاقة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
لم تعد الشهادة الجامعية وحدها كافية لضمان الكفاءة المهنية أو لحماية المجتمع من ضعف الأداء أو الأخطاء الجسيمة ولا سيما في المهن التي تمس حياة المواطن وسلامته وحقوقه اليومية. وقد أفرز هذا الواقع حاجة ملحة إلى تفعيل الدور الحقيقي للنقابات المهنية بوصفها حلقة الوصل الأساسية بين التعليم الأكاديمي والممارسة العملية وركيزة لتنظيم المهن ومراقبة الأداء وتطوير القدرات والدفاع عن حقوق العاملين. ان النقابات المهنية ليست كيانات أو أطرا إدارية شكلية بل مؤسسات تنظيمية ورقابية وتطويرية تضطلع بمسؤولية مزدوجة وهي حماية المهنة من الفوضى وحماية المجتمع من الممارسة غير الكفوءة. والنقابة الفاعلة لا تكتفي بصياغة التعليمات بل تفرض معايير واضحة لمزاولة المهنة وتراقب الالتزام بالأخلاقيات المهنية وتخضع المقصرين للمساءلة بما يضمن جودة الخدمة ويعزز ثقة المواطن بأصحاب الاختصاص.
وبذلك يصبح التعامل مع الشهادة الجامعية باعتبارها شرطا لازما لا كافيا أمرا لا بد منه. فالتجارب الدولية الرصينة قامت على مبدأ واضح مفاده أن الجامعة تُعلّم لكن النقابة هي من تُجيز الممارسة. ففي دول مثل المملكة المتحدة والدول الاوربية وكندا وامريكا، لا يقتصر تنظيم المهن على الطب والهندسة فقط بل يشمل جميع الاختصاصات التي تمس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر. فإلى جانب المهن الطبية والهندسية المصنفة ضمن Regulated Professions، تخضع مهن أخرى مثل التدريس والحلاقة والطبخ والسباكة والكهرباء والترجمة والخدمات الحرفية والفنية وغيرها إلى تنظيم مهني صارم. ولا يُسمح بمزاولة هذه الأعمال دون تراخيص رسمية وشهادات تدريب معتمدة والتزام بضوابط صحية وأخلاقية ومهنية دقيقة. ولا يُنظر إلى هذا التنظيم بوصفه تعقيدا بيروقراطيا بل باعتباره جزءا من منظومة حماية المواطن وضمان جودة الخدمة وصون كرامة المهنة نفسها. ولا يكتمل هذا التنظيم دون دور رقابي ميداني فعلي للنقابات. فالنقابات في الدول المتقدمة لا تكتفي بإصدار الرخص أو إجراء الامتحانات بل تنفذ جولات تفتيش ومتابعة دورية على مواقع العمل للتحقق من التزام الأعضاء بالمعايير المهنية والأخلاقية وشروط السلامة والجودة واحترام حقوق المستفيدين من الخدمة. وتترتب على هذه الجولات إجراءات قانونية واضحة تبدأ بالإنذار وقد تصل إلى الغرامة أو تعليق الترخيص أو سحبه نهائيا عند تكرار المخالفات.
ومن تجربتي الشخصية في كندا وتحديدا عند تقدمي للانضمام إلى جمعية المترجمين (ATIO)، تبين لي بوضوح كيف تتعامل الدول المتقدمة مع التنظيم المهني بجدية صارمة. فعلى الرغم من حملي شهادة الدكتوراه في الترجمة وامتلاكي خبرة عملية تزيد على عشرين عاما في مجال الترجمة خارج كندا، لم يُنظر إلى هذه المؤهلات باعتبارها اثباتا تلقائيا لمزاولة المهنة. بل طُلب مني الخضوع إلى امتحانات مهنية معقدة ودقيقة تقيس الكفاءة الفعلية والقدرة اللغوية والالتزام بالأخلاقيات المهنية. وبعد اجتياز الامتحانات انتظرت أشهرا عديدة لاستكمال الإجراءات واستلام رخصة الترجمة رسميا. وشخصيا أعرف عددا غير قليل من الزملاء ممن يحملون شهادات جامعية متقدمة في اللغة الإنجليزية والترجمة لم يتمكنوا من اجتياز هذه الامتحانات رغم مؤهلاتهم الأكاديمية، ما يؤكد أن المعيار الحقيقي في هذه الأنظمة ليس الشهادة بل القدرة المهنية المثبتة بالاختبار. وحتى عندما يتم منح الاجازة تقوم جمعية المترجمين بتدقيق عشوائي لاعمال المترجمين المجازين للتاكد من دقة ترجمتهم والتزامهم بالمعايير المعتمدة. وتتلقى الجمعية ايضا الشكاوي من اي مواطن يحصل على ترجمة غير دقيقة. وفي حال التأكد من وجود اي تقصير في الترجمة تقوم الجمعية مباشرة بسحب الاجازة ويمنع صاحبها من مزاولة المهنة. هذه التجربة تختصر فلسفة واضحة مفادها أن المهنة مسؤولية تجاه المجتمع ولا تُمنح إلا لمن يثبت أهليته عمليا لا نظريا. يمكنك ان تتخيل ان هذا الاجراء مع ترخيص الترجمة فكيف سيكون الحال مع الاختصاصات الطبية والهندسية والصحية والحرف.
وفي المقابل، ما زال هذا الدور الرقابي ضعيفا أو غائبا في كثير من النقابات العراقية حيث يُترك الالتزام المهني لضمير الفرد لا لرقابة المؤسسة وهو ما أدى إلى تفاوت خطير في مستويات الأداء ومساواة غير عادلة بين المهني الكفوء وغير المؤهل وتحويل الكثير من القوانين والتعليمات إلى نصوص معطّلة لا تُستحضر إلا عند وقوع الضرر. وهنا تبرز مسؤولية الدولة بوصفها الضامن الأعلى للمصلحة العامة في متابعة أداء هذه النقابات نفسها ولا سيما في جانبها الرقابي والتأديبي. فالنقابة التي تمنح صلاحيات الترخيص والاعتماد والمساءلة لا يمكن أن تعمل بمعزل عن رقابة قانونية تضمن حسن استخدام هذه الصلاحيات إذ إن أي تقصير أو تساهل في ضبط الأداء المهني لا ينعكس على سمعة المهنة فحسب بل قد يعرّض المواطن المتضرر إلى تبعات خطيرة تمسّ صحته أو ماله أو حقوقه الأساسية وتفتح الباب أمام مسؤوليات مدنية وجزائية ونزاعات قضائية تتحمل الدولة في نهاية المطاف جزءا من آثارها.
وفي الختام، من اجل حصول المجتمع على خدمة صحيحة ومميزة في مختلف المجالات لا بد من ضمان جاهزية من يدخل إليها. وهذا يستلزم إخضاع المناهج الجامعية لمراجعة دورية جادة وربطها بالتدريب العملي الإلزامي بحيث يتخرج الطالب وهو قادر فعليا على أداء مهامه لا مجرد حامل شهادة. وبموازاة ذلك، ينبغي تمكين النقابات المهنية من متابعة أداء العاملين ميدانيا ومحاسبة المقصرين وفق معايير واضحة لأن جودة الخدمة المقدّمة للمواطن لا تُترك للاجتهاد الفردي بل تُصان بمنظومة متكاملة تبدأ من الجامعة وتستمر برقابة نقابية فاعلة تحمي حقوق الناس قبل وقوع الضرر.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!