كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

وعدٌ يتجاوزُ الزمن… رسالةُ السماء تؤكد انتصار محمدٍ والذين معه

وعدٌ يتجاوزُ الزمن… رسالةُ السماء تؤكد انتصار محمدٍ والذين معه

 قال تعالى في محكم التنزيل:

{مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ  وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ  تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا  سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ  ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ  وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ  وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)}..

في خطابٍ قرآنيٍّ يفيضُ باليقين، تكشف الآية التاسعة والعشرون من سورة الفتح عن إعلانٍ إلهيٍّ عالميٍّ يتجاوز حدود التاريخ والجغرافيا، مؤكدةً أن الرسالة التي حملها النبي محمد صلى الله عليه وآله الاطهار  لم تكن حدثاً عابراً، بل وعداً سماوياً مكتوباً في صفحات الكتب الأولى، وممهوراً بخاتم النصر والرضوان.
النص القرآني يرسم ملامح جماعةٍ صنعتها العقيدة قبل أن تصنعها الوقائع؛ رجالٌ ونساءٌ اشتدّ عزمهم في وجه العداوة، ولانت قلوبهم في حضرة الإيمان، تراهم في صورةٍ إنسانية عالية: ركوعٌ وسجود، بحثٌ دائم عن الفضل الإلهي، ووجوهٌ تحمل آثار الطريق الطويل إلى الله، حتى صار الإيمان علامةً تُقرأ كما تُقرأ الملامح.
وتكشف الآية، بلغةٍ تشبه البيان العالمي، أن قصة هؤلاء لم تبدأ مع الإسلام وحده، بل كُتبت إشاراتها في التوراة، وتكررت صورتها في الإنجيل، حيث يُشبَّه المؤمنون بزرعٍ خرج من الأرض صغيراً، ثم اشتدّ، ثم استقام، حتى صار مشهداً يملأ العيون إعجاباً ويوقظ في قلوب الخصوم غيظاً.
هذا التصوير القرآني لا يقدّم سرداً تاريخياً فحسب، بل يعلن قانوناً إلهياً ثابتاً:
أن الرسالات حين تصدق، تنمو كما ينمو الزرع في صمت الأرض، وأن الجماعة التي تُبنى على الإيمان لا تنكسر وإن اشتدّت الرياح.
وفي ختام المشهد، يأتي الوعد الإلهي بلغةٍ لا تحتمل التأويل:
مغفرةٌ واسعة، وأجرٌ عظيم، وامتدادٌ للنور في الذين آمنوا وعملوا الصالحات، كأن السماء تكتب بيانها الأخير لتؤكد أن الطريق الذي بدأ مع النبي لن ينتهي بانتهاء الزمن، وأن الذين ساروا معه صاروا جزءاً من وعدٍ لا يتراجع.
وبين حرفٍ وحرف، يقرأ العالم خبراً من نوعٍ آخر:
أن التاريخ قد يكتب الوقائع، لكن الوعد الإلهي هو الذي يكتب المصير.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!