كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

سيناريو الحربِ الإيرانيةِ – الأمريكيةِ – الصهيونيةِ

سيناريو الحربِ الإيرانيةِ – الأمريكيةِ – الصهيونيةِ

   يشهدَ الشرقُ الأوسطُ مرحلةَ دقيقةٍ منْ التصعيدِ المتدرجِ بينَ إيران وحلفائها منْ جهة، والولاياتُ المتحدةُ والكيانُ الصهيونيُ منْ جهةٍ ثانية، حيثُ تتقاطعُ المصالحُ الاستراتيجيةُ معَ حساباتِ الردع، في بيئةٍ إقليميةٍ معقدةٍ تتسمُ بتعددِ ساحاتِ الاشتباكِ وغيابِ المواجهةِ المباشرةِ الشاملة. وبينما تتباينُ السيناريوهاتُ المحتملةُ لمسارِ هذا الصراع، يبقى العاملُ الحاسمُ هوَ ميزانُ القوةِ النسبيِ وقدرةُ كلِ طرفٍ على إدارةِ التصعيدِ دونَ الانزلاقِ إلى حربٍ واسعة. قدمَ العديدَ منْ المحللينَ والمتابعينَ للحربِ سيناريوهاتٌ متعددةٌ لملامحها ونهايتها. وتتمثلَ نقاطُ القوةِ لدى الأطرافِ المتقاتلةِ فيما يلي.
أولاً. ايران 
    تتمتعَ إيران بشبكةِ نفوذٍ إقليميٍ تعدُ منْ أبرزِ مصادرِ قوتها، إذْ تعتمدُ على حلفاءَ ومؤيدين لها في عدةِ ساحات في المنطقة لقضايا عقائدية، ما يمنحها القدرةَ على خوضِ صراعاتٍ طويلةٍ بكلفةٍ مباشرةٍ منخفضةٍ ويسهمُ هذا الامتدادِ الجغرافي، إلى جانبِ تطويرِ برامجِ الصواريخِ الباليستيةِ والطائراتِ المسيرة، في تعزيزِ قدرتها على تهديدِ خصومها بطرقٍ غيرِ مباشرة. كما تستفيدُ منْ خبرتها في إدارةِ الحروبِ غيرِ المتكافئة، وهوَ أسلوبٌ يحدُ منْ أثرِ التفوقِ العسكريِ التقليديِ لدى خصومها.وفي الداخل، يبرزَ تماسكُ أغلبية الشعب الإيراني معَ الدولةِ في مثلٍ هذهِ الظروف، مدفوعا باعتباراتٍ وطنيةٍ وأيديولوجيةٍ تتصلُ بالدفاعِ عنْ البلاد. 
 أما على الصعيدِ الخارجي، يظهرَ قدرُ منْ التعاطفِ في بعضِ الأوساطِ الشعبيةِ في العالمينِ الإسلاميِ والعربي، انطلاقا منْ شعورِ بوجودِ ظلمٍ واقعٍ عليها في ظلِ الصراعِ معَ الولاياتِ المتحدةِ والكيانِ الصهيوني. كما ترى بعضَ الأطرافِ أنَ اتساعَ نطاقِ هذا الصراع، بمشاركةِ قوى دوليةٍ أخرى، قدْ يؤدي إلى تداعياتٍ خطيرةٍ على استقرارِ منطقةِ الشرقِ الأوسط، فضلاً عنْ آثارهِ السلبيةِ المحتملةِ على البنيةِ التحتيةِ والاقتصادِ العالمي.
ثانياً. الولايات المتحدة الامريكية 
   تستندَ الولاياتُ المتحدةُ إلى منظومةِ تفوقٍ متعددةٍ الأبعاد، لا تقتصرُ على القوةِ العسكريةِ المباشرة، بلْ تمتدُ لتشملَ عناصرَ استراتيجيةً وسياسيةً واقتصاديةً متكاملةً فمنْ الناحيةِ العسكرية، تمتلكَ واشنطن قدراتٍ جويةً فائقةً التطور، تشملَ طائراتٍ شبحيةً وأنظمةَ استطلاعِ ومراقبةِ متقدمة، إلى جانبِ قوةٍ بحريةٍ ضخمةٍ قادرةٍ على فرضِ السيطرةِ على الممراتِ البحريةِ الحيوية،- خصوصا- في مناطقَ حساسةٍ مثلٍ الخليجِ العربيِ ومضيقِ هرمز. كما يعززُ هذا التفوقِ انتشارا واسعا للقواعدِ العسكريةِ الأمريكيةِ في الشرقِ الأوسطِ والمناطقِ المحيطة، ما يمنحها سرعةً في الاستجابةِ ومرونةٍ في تنفيذِ العمليات، سواءً الدفاعيةُ أوْ الهجومية. ولا تقلُ أهميةً عنْ ذلكَ شبكةَ التحالفاتِ الدوليةِ والإقليميةِ التي تدعمُ الموقفَ الأمريكي، حيثُ توفرُ هذهِ التحالفاتِ عمقا استراتيجيا، وتسهلَ عملياتُ التنسيقِ العسكريِ والاستخباراتي، وتزيدَ منْ القدرةِ على حشدِ الدعمِ في حالِ التصعيد، إلى جانبِ القوةِ الصلبة، تعتمدَ الولاياتُ المتحدةُ بشكلٍ كبيرٍ على أدواتِ الضغطِ الاقتصادي، التي تعدْ جزءا أساسيا منْ استراتيجيتها في احتواءِ الخصوم. فالعقوباتُ الاقتصادية، على سبيلِ المثال، تستخدمَ لإضعافِ القدراتِ الماليةِ والاقتصاديةِ لإيران، والتأثيرُ على استقرارها الداخلي، والحدُ منْ قدرتها على تمويلِ أنشطتها الإقليمية. بذلك، يتضحَ أنَ القوةَ الأمريكيةَ لا تقومُ فقطْ على التفوقِ العسكريِ التقليدي، بلْ على تكاملِ أدواتٍ متعددةٍ — عسكرية، اقتصادية، ودبلوماسيةٌ — توظفُ ضمنَ رؤيةِ استراتيجيةٍ شاملةٍ تهدفُ إلى فرضِ التوازنِ أوْ تحقيقِ الردع.
ثالثاً. دويلة الكيان الصهيوني:
  تعتمدَ على تفوقٍ نوعيٍ في التقنيةِ العسكريةِ والاستخبارات، وقدرةُ عاليةٌ على تنفيذِ ضرباتٍ دقيقةٍ وسريعة، كما تمتلكُ منظوماتِ دفاعٍ جويٍ متقدمة، وخبرةُ طويلةٌ في إدارةِ الصراعاتِ متعددةً الجبهات، ما يجعلها قادرةً على التحركِ بمرونةِ ضمنَ بيئةٍ أمنيةٍ معقدةٍ،  ولكنها ذو مساحةٍ صغيرةٍ بالنسبةِ لإيران ذاتِ المساحاتِ الكبيرة، وهذا ما يجعلُ أثر قويٍ لكافةِ المسيراتِ والصواريخِ التي تسقطُ عليها بتأثيرها الكبيرِ على سكانها والتجائهمْ إلى الملاجئ. وفي الموازنةُ الجغرافية، أنَ مساحةَ إيران تفوقُ بكثيرٍ مساحةِ الكيانِ المحتل، وهوَ ما يعكسُ تفاوتا كبيرا في الإمكاناتِ والعمقِ الاستراتيجيِ بينَ الطرفين، وفي ظلِ استمرار الحرب لمدة أطول، تثار تساؤلاتٌ حولَ الأوضاعِ الداخليةِ في الكيانِ الصهيوني، حيثُ يشارُ إلى تزايدِ ما يعرفُ بالهجرةِ العكسية، أيُ مغادرةِ بعضِ السكانِ إلى الخارجِ بحثا عنْ الاستقرار. كما يلاحظُ وجودَ حالةٍ منْ القلقِ داخلَ المجتمع، تتجلى في الاعتراضاتِ على الحروب، والضغوطُ النفسيةُ الناتجةُ عنْ البقاءِ لفتراتٍ طويلةٍ في الملاجئِ بسببِ التهديداتِ الأمنية.
السيناريوهات المحتملة:
السيناريو الأول:
   يستمرَ النزاعُ العسكري بين الأطراف المتحاربة، ولكنْ بشكلٍ منخفضٍ الحدة، ويعدَ هذا السيناريو الأكثرِ ترجيحا في المدى القريب، حيثُ يستمرُ الصراعُ ضمنَ مستواهُ الحالي، معَ تصعيدٍ محدودٍ ومضبوطٍ الإيقاعِ يعكسُ هذا النمطِ ما يمكنُ وصفهُ بالردعُ المتبادلُ غيرَ المباشر، إذْ تحرصُ جميعَ الأطرافِ على تجنبِ تجاوزِ الخطوطِ الحمراءِ التي قدْ تؤدي إلى مواجهةٍ شاملة. أنَ هذا الشكلِ منْ الصراعِ يسمحُ لكلِ طرفِ بتحقيقِ أهدافٍ تكتيكيةٍ دونَ تحملِ كلفةِ استراتيجيةٍ عالية، فإيران تحافظُ على نفوذها الإقليمي، بينما تواصلُ الولاياتُ المتحدةُ والكيان الصهيوني، احتواءَ هذا النفوذِ ومنعِ توسعه. وفي هذا الإطار، تبقى الساحاتِ الثانويةَ — مثل العراقِ و دول الخليج العربي وسوريا والبحرِ الأحمرِ — مسارحَ رئيسةً لهذا النوعِ منْ النزاع العسكري.
السيناريو الثاني: 
    تتصاعدَ الحربُ بشكلٍ تدريجيٍ واتساعِ رقعةِ المواجهة، إذ؛ يقومَ هذا السيناريو على احتمالِ توسعِ النزاع عبرَ انخراطِ أطرافٍ إضافية، مثلٌ جماعةٍ الحوشينِ أوْ فصائلَ مسلحةٍ عقائدية أخرى في المنطقة، ما يؤدي إلى زيادةِ الضغطِ على المصالحِ الأمريكيةِ والصهيونية في المنطقةِ، وقدْ يترافقُ ذلكَ معَ ارتفاعِ وتيرةِ الهجمات، سواءً عبرَ الصواريخِ أوْ الطائراتِ المسيرة، أوْ استهدافِ الملاحةِ الدولية. ورغمُ أنَ هذا السيناريو يبدو قائما جزئيا بالفعل، إلا أنَ طبيعتهُ تظلُ مضبوطة، حيثُ تسعى الأطرافَ إلى التصعيدِ دونَ الانفجار. غيرَ أنَ خطورتهُ تكمنُ في احتماليةِ سوءِ التقديرِ أوْ وقوعِ حادثٍ كبيرٍ قدْ يدفعُ إلى ردودِ فعلٍ متسلسلةٍ يصعبُ احتواؤها.
السيناريو الثالث: 
 الانزلاق إلى استخدامِ أسلحةٍ غيرِ تقليديةٍ، إذ؛ يمثلُ هذا السيناريو أقصى درجاتِ التصعيد، وهوَ الأقلُ احتمالاً في الظروفِ الراهنةِ، فالاستخدامُ المحتملُ لأسلحةِ دمارٍ شامل، بما في ذلكَ الخياراتُ النووية، سيؤدي إلى تداعياتٍ كارثيةٍ تتجاوزُ الإطارَ الإقليمي، ويدفعَ نحوُ تدخلٍ دوليٍ واسع. تدركَ جميعَ الأطرافِ أنَ هذا المسارِ يعني انهيارَ قواعدِ الاشتباكِ القائمة، وتحولَ الصراعُ إلى مواجهةٍ مفتوحةٍ ذاتِ كلفة- غيرَ مسبوقة- . لذلك، يبقى هذا الخيارِ ضمنَ دائرةِ الردعِ النظريِ أكثرَ منْ كونهِ احتمالاً عمليا.
السيناريو الرابع: 
   التهدئة أوْ وقفِ النزاع العسكري، يفترضُ هذا السيناريو الوصولِ إلى نوعٍ منْ التهدئة، سواءً عبرَ اتفاقٍ سياسيٍ مباشرٍ أوْ منْ خلالِ وقفٍ غيرِ معلنٍ لإطلاقِ النارِ نتيجةَ ضغوطٍ دوليةٍ أوْ تغيرٍ في موازينِ القوى ورغمَ أنَ هذا الخيارِ يبدو مرغوبا دوليا، إلا أنَ تحقيقهُ يظلُ معقدا بسببَ تشابكِ الملفاتِ الإقليميةِ وتضاربِ المصالح. وفي حالِ تحقق، فمنْ المرجحِ أنْ يكونَ مؤقتا أوْ هشا، حيثُ تبقى جذورَ التوترِ قائمة، ما يجعلُ أيَ تهدئةٍ عرضةٍ للانهيارِ عندَ أولِ اختبارٍ جديد.
الخلاصة.
    تشيرَ المعطياتُ الحاليةُ إلى أنَ السيناريو الأكثرَ واقعيةً هوَ استمرارُ الصراعِ في إطارهِ الحالي، أيُ حربٍ منخفضةٍ الحدةِ ”تدارُ عبرَ وكلاءَ وأدواتٍ غيرِ مباشرة. ويعكسَ هذا النمطِ توازنا دقيقا بينَ الرغبةِ في تحقيقِ مكاسبَ تكتيكية، والخشيةُ منْ الانزلاقِ إلى مواجهةٍ شاملة. في المقابل، يظلّ التصعيدُ التدريجيُ احتمالاً قائما، خاصةً في ظلِ تعددِ الفاعلينَ وصعوبةُ ضبطِ جميعِ الجبهات. أما السيناريوهاتُ الأكثرُ تطرفا، سواءً استخدامُ أسلحةٍ غيرِ تقليديةٍ أوْ الوصولِ إلى تسويةٍ نهائية، فتبقى مرهونةً بتحولاتٍ كبيرةٍ في البيئةِ الاستراتيجيةِ لمْ تتبلورْ بعد. وبينَ هذا وذاك، يستمرَ الشرقُ الأوسطُ في حالة“ لا حربٌ ولا سلم، حيثُ تدارُ الأزماتُ بدلَ حلها، وتؤجلَ المواجهاتُ الكبرى دون أنْ تلغى احتمالاتها. وفي المقابل، تنظرَ قطاعاتٍ واسعةً منْ الشعوبِ العربيةِ والإسلاميةِ إلى دويلةِ الكيانِ الصهيوني، باعتبارها دولةِ احتلالٍ للأراضي الفلسطينية، وهوَ ما يعمقُ مشاعرَ الرفضِ ويزيدُ منْ صعوبةِ تحقيقِ تقبلٍ إقليميٍ لها. وبناءٌ على هذهِ المعطيات، يرى البعضُ أنَ فرصَ التعايشِ السلميِ  بين الدول العربية والكيان الصهيوني ، تظلُ معقدةً في ظلِ استمرارِ النزاع المسلح، وتباينَ المواقف، وغيابَ حلٍ عادلٍ وشاملٍ للقضيةِ الفلسطينية.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!