يعد سنّ الأربعين ﺍﻟﺴﻦ ﺍﻟﻮﺣيدة ﺍلتي ﺧصها ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ الكريم بدعاء ﻣﻤﻴﺰ في الآية الكريمة: ((حَتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ))(1).
ﻓﻬﻮ ﺩعاء مؤثر ﻳﺘﻀﻤﻦ ﺍﻟﺸكر ﻋﻤﺎ ﻣﻀﻰ، ﻭﺍلدعاء ﻟﻶﺗﻲ، ﻭﺇﻋﻼﻥ الولاء لهذا الدين. وأكد العلماء ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻤﻴﺔ هذا الدعاء، ﻭﺧﺎﺻﺔ ﻟﻤﻦ ﺑﻠﻎ ﺍﻷﺭﺑﻌﻴﻦ، ﻭﺃﻧﻪ سبب لقبول ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ، فقد ﻗﺎﻝ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ بعد هذه ﺍﻵﻳﺔ: ((أُوْلَئِكَ الذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ...))(2).
ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺑﻌﻴﻦ ﻳﺸﻌﺮ الوﺍحد ﻣﻨﺎ ﻭﻛﺄﻧﻪ ﻋﻠﻰ ﻗﻤﺔ جبل، ينظر ﺍﻟﻰ ﺍﻟﺴﻔﺢ ﺍﻷﻭﻝ، فيرى طفولته ﻭﺷﺒﺎﺑﻪ، ﻭﻳجد ﺃﻥ مذاقهما لا يزال ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻗﻪ، ﻭﻳنظر ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﻔﺢ ﺍﻵﺧﺮ، فيجد ﻣﺎ ﺗﺒﻘﻰ ﻣﻦ مراحل عمره، ويدرك كم هو قريب ﻣﻨﻬﺎ.. ﺇﻧﻪ ﺍﻟﻌمر الذي يكون ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻗﺎﺩﺭاً ﻓﻴﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ يفهم كل ﺍﻟﻔﺌﺎﺕ العمرية، ﻭﻳﻌﺎﻳﺸﻬﺎ ويتحدث بمشاعرها.
ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺑﻌﻴﻦ، يبدأ الشيب - إن لم يكن قد بدأ سابقاً - ويبدأ كذلك ضعف البصر، فيقبل كل منا على نظارة القراءة، وتصبح جزءاً من محمولاته اليومية.
ﻭﻓﻲ ﺍﻷﺭﺑﻌﻴﻦ، ﻧﺴﻤﻊ ﻷﻭﻝ مرة ﻣﻦ ﻳﻨﺎﺩﻳﻨﺎ ﻓﻲ ﺍﻷﻣﺎكن ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ: (ﺗﻔضل ﻳﺎ عم)، ليجد وجوهنا مستغربة للنداء الجديد..!
ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺑﻌﻴﻦ، يلتفت إلينا من هم في الستين، ليقولوا لنا: هنيئاً لكم مازلتم شباباً، فيزداد استغرابنا..!
ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺑﻌﻴﻦ، تبدأ أزمة منتصف العمر، وتبدأ الأسئلة القاسية بالظهور أمام الإنسان: ﻣﺎﺫﺍ أنجزت في عملك؟
ماذا أنجزت لأسرتك؟
ماذا أنجزت في حياتك؟
ماذا أنجزت في علاقتك مع ربك؟
فإذا لم ترجع لربك، وقد بلغت هذا العمر فمتى ترجع يا بن آدم؟
إنه سؤال يهز القلوب ويشغل التفكير، فالمشكلة أن الأيام مرت أسرع ما توقعنا، فأثناء طفولتنا، كنا ننظر لمن هم في الأربعين على أنهم شبعوا من دنياهم، أما اليوم فنرى – نحن – أننا لم نحقق الكثير مما وضعناه وحلمنا به لأنفسنا، وأن السنوات تجري بنا ولا تعطينا فرصة لكي نصنع ما نريد..؟!
ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺑﻌﻴﻦ ندرك القيمة الحقيقة للأشياء الرائعة التي تحيط بنا، ننظر إلى والدينا إذا كانا موجودين أو أحدهما، فنشعر أنهما كنز، وعلينا أن نؤدي حقهما، ونبر بهما، كذلك ننظر على أبنائنا، فنراهم قد غدو كإخوان لنا، ينتظرون صحبتنا.
كذلك ننظر إلى الإخوان والأصحاب، فنشعر بسرور غامر لوجودهم حولنا، كما ننظر إلى تقصيرنا وأخطائنا، فنرى أنها لا تليق بمن هو في الأربعين، حيث يفترض منا فيه الحكمة والتوازن.
في الأربعين يبدأ الحصاد، نشعر حقيقة أننا كنا كمن يجري ويجري واليوم بدأ يخفف من جريه، ويلتفت إلى لوحة النتائج ليقرأ ملامحها الأولية، وهو يعلم أن النتائج النهائية لم تحسم بعد، إلا أن التغيير بعد الأربعين ليس بسهولة ما قبلها.
تحية لكل من جاوز الأربعين أو دنا من الأربعين...
اقرؤوها بتمعن وخاصة الآية الكريمة، لتجدوا أنه ليس لنا عمل من بعد هذه السن إلا الرجوع إلى الله تعالى، والإنابة، وشكره على ما أعطانا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأحقاف/15.
(2) الأحقاف/16.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!