كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

النظام العربي الجديد والتحولات العسكرية في المنطقة

النظام العربي الجديد والتحولات العسكرية في المنطقة

يشهد النظام العربي اليوم تحولاً بنيوياً عميقاً وجذرياً هو الأبرز منذ نهاية الحرب الباردة، حيث بات هذا التحول أكثر وضوحاً مع تغيّر ديناميكيات الصراع الإقليمي وظهور أدوات وميادين جديدة مثل المسيّرات، والفضاء السيبراني، والهجمات الموجهة، وتهديد الممرات البحرية، وصعود اللاعبين غير الدوليين. 
لكن الأهم من ذلك، يكمن هذا التحول في إعادة صياغة "العقل المنتج للأمن"، الذي لم يعد متمحور حول عواصم تقليدية كالقاهرة وبغداد ودمشق، بل انتقل بشكل كامل إلى مركز جديد في الرياض. هذا التحول لا يعيد تشكيل أولويات المنطقة فحسب، بل يعيد تعريف دور الدولة العربية، معايير القوة، والجغرافيا السياسية.
الفترة من 2022 إلى 2026 تبدو لحظة مفصلية في هذا السياق، حيث تشكّلت خلالها أسس نظام عربي جديد يقوم على ثلاثة ركائز رئيسة : 
أولاً، انتقال مركز الثقل العربي إلى السعودية، التي تجمع بين مقومات الحضور السكاني والتراث الحضاري للجزيرة العربية، إلى جانب قوتها الاقتصادية والعسكرية ومكانتها الرمزية والدينية.
 ثانياً، ظهور ما يمكن وصفه بـ"العقد الأمني الخليجي الجديد"، الذي يرتكز على الانتقال من سياسة رد الفعل إلى نهج استباقي هندسي للأمن. فهذا الإطار الجديد يتخذ من التعاون الإقليمي أولوية لخلق أمن مشترك تحكمه قواعد سيادية واضحة ومُلزِمة. 
أما الركيزة الثالثة فتتمثل في إعادة صياغة العلاقات التكاملية بين المحورين المصري والسعودي، بما يعيد ترتيب المشهد الإقليمي ويعزّز الاستقرار.
على صعيد آخر، تعاني السرديات الأكاديمية التقليدية من قصور واضح في تحليل التحولات الإقليمية، خاصة فيما يتعلق بالخليج العربي بوصفه ركيزة للنظام العربي. طيلة عقود، اعتُبر الخليج منطقة ذات أهمية اقتصادية بسبب الطاقة أو مجالاً لنفوذ القوى الكبرى تحت المظلة الأميركية، من دون النظر إلى دوره المتغير كفاعل جيو- أمني مستقل. 
حتى الدراسات الحديثة حول صعود السعودية والإمارات غالباً ما حصرت التحليل في التقدم الاقتصادي فقط، متجاهلة قدرة السعودية على صياغة استراتيجيات ردع محلية وإقليمية تعتمد على نفسها وعلى علاقاتها الجديدة مع دول مثل باكستان.
أما النظريات الأمنية الغربية التقليدية حول الخليج، والتي ركزت على "الحماية الأميركية" كضرورة دائمة، فقد أصبحت قاصرة عن مواكبة حقيقة أن السعودية لم تعد مستهلكة للأمن بل أصبحت منتجة له. وبالمثل، أخفقت التفسيرات المتعلقة بالمشرق العربي وتحدياته كالانقسامات الداخلية وصعود الفاعلين غير الدوليين في تقديم قراءة شاملة يمكنها تفسير الاتجاهات الناشئة ضمن إطار عربي موحد.
لذلك، نجد أنفسنا أمام فجوة نظرية تحتاج إلى سدّها بمفاهيم جديدة مثل "نظرية المدارات"، "دولة الحافة"، "الهلال السائل"، والاستراتيجية"، لفهم ديناميكيات انتقال القوة من مراكز تاريخية تقليدية إلى الرياض وكيفية إعادة تشكيل العقد الأمني الإقليمي.
التحولات الديناميكية في موازين القوى بين مصر والسعودية تشهد تأسيسًا لنظام عربي جديد، تتصدر فيه السعودية مركز القيادة كـ"محور قطبي"، بينما يعاد توزيع الأدوار الجيوسياسية بين دول المنطقة. تأتي هذه التحولات استجابة لتغيرات جذرية طالت طبيعة الصراعات العسكرية والاقتصادات الإقليمية، فضلًا عن التبدلات في التحالفات الدولية.
من الناحية العسكرية، لم تعد المقاييس التقليدية مثل كثافة الجيوش أمراً حاسمًا في الحروب الحديثة, حيث أصبحت التقنيات المتطورة كالطائرات المسيّرة والأنظمة الصاروخية الدقيقة أدوات أكثر تأثيرًا. وهذا ما منح السعودية ميزة نوعية بتبنيها أنظمة دفاعية متقدمة وتطوير قاعدة صناعية عسكرية، بخلاف الجيش المصري الذي لا يزال يعاني من هيكلة تقليدية تفتقر إلى تحديث التكنولوجيا الردعية.
اقتصاديًا، تواجه مصر تحديات كبيرة تتمثل في انخفاض قيمة العملة الوطنية، والاعتماد المتزايد على المساعدات الخارجية، وتعثر الصناعة والطاقة. بالمقابل، تواصل السعودية صعودها الاقتصادي مع اقتصاد يتخطى حاجز التريليون دولار وصندوق سيادي ضخم، مدعومًا بسياسات طاقة مُحكمة واقتصاد متنوع يزداد استقلالية عن النفط.
إقليميًا، تراجعت قدرة مصر على التأثير في ملفاتها التقليدية في غزة وليبيا والسودان والقرن الإفريقي، إلى جانب توجهها غير الموفق نحو النظام الإيراني الآخذ في التفكك. في ذات الوقت، عززت السعودية مكانتها عبر أدوار قوية شملت تسوية النزاعات في اليمن وسوريا وبناء تحالفات إقليمية ودولية مهيمنة.
هذه التحولات أدت إلى ما يمكن وصفه بنظرية "المدارات العربية"، حيث يتم تصور توزيع الأدوار بصورة تكاملية وليس تنافسية. يمثّل المدار المصري عمق البلاد الجغرافي والطبيعي شمال إفريقيا ومنطقة البحرين الأحمر والمتوسط، في حين يمثل المدار السعودي قلب منطقة المشرق والخليج وصولًا إلى الهلال الخصيب. عدم التزام أي دولة بحدود مدارها التاريخي قد يؤدي إلى فقدان التوازن الاستراتيجي كما سبق أن أظهرت التجارب.
بناءً على هذا التوجه، تسعى السعودية ومصر للقفز فوق الخلافات الآنية لصياغة دور كلٍ منهما في إطار هذا التخصص الوظيفي التكاملي. نجاح هذا المشروع يعتمد على تعاون حقيقي ومستدام يتجاوز الادعاءات الرمزية إلى رسم منظومة عربية مستقرة قادرة على التصدي للتحديات المتغيرة.
أخيرًا، شهدنا ولادة عقل استراتيجي خليجي جديد عقب تهديدات أمنية مثل الضربة الإسرائيلية لقطر. أثبتت هذه الأحداث أهمية بناء منظومة أمن خليجية موحّدة بدلاً من الاعتماد على ترتيبات أمنية فردية متفرقة. ويبدو أن الخليج بات يدرك أن أمنه يجب أن يكون جماعيًا واستباقيًا، ليكون حائط الدفاع الأول أمام أي تهديدات واضحة أو محتملة. 

 

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!