كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

كيف صار البلاء ميثاق الله؟!

كيف صار البلاء ميثاق الله؟!

 بسم الله الرحمن الرحيم
 
لقد جرت العادة على أن يتعاهد المُحِبُّ حَبيبَه بما يقدر عليه من صُنُوف الرِّعَاية، ويحيطُهُ بكلِّ نِعَمٍ مقدورة.
 
والله تعالى هو القادر على كلِّ مَقدور، لا يتخلَّفُ عن أمره شيء: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس82).
 
فلماذا لا يكون المؤمنون وهم أهلُ القُربِ من الله تعالى على هذه الصفة؟! وأين رعايةُ الله تعالى لهم وقد صاروا غَرَضَاً لأعدائهم ينالونهم بشتّى ألوان العذاب وصنوفِه؟ ويستضعفونهم ويسعون في هلاكهم واستئصالهم.
 
يفتح هذا الباب إشكالاً يطرحه من لم يؤمن بالله تعالى فيقول:
 
1. إمّا أنّ الله تعالى ليس بقادر! فيثبت النقص فيه.
2. وإمّا أنّه قادرٌ، لكنّه لا يريد صلاح عباده المؤمنين! فينتفي العدل عنه.
3. وإمّا أنّه قادرٌ ويريد صلاح عباده المؤمنين، لكنّ كل الأنبياء والمؤمنين الذين وقع عليهم البلاء ليسوا مرضيين عنده تعالى! فتبطل دعوى أهل الإيمان جميعاً.
 
والجواب عليه..
 
أنَّ مشيئة الله تعالى وحكمَتَهُ اقتضت أن يمتحنَ خلقَهُ ويبتليهم دون أن يجبرهم على الطاعة، فهو القادرُ القاهر: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِه‏﴾ (الأنعام18)، ﴿وَلَوْ شاءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ في‏ ما آتاكُمْ﴾ (المائدة48).
 
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: وَلَوْ أَرَادَ الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهمْ كُنُوزَ الذِّهْبَانِ، وَمَعَادِنَ الْعِقْيَانِ (الذهب الخالص)، وَمَغَارِسَ الْجِنَانِ، وَأَنْ يَحْشُرَ طَيْرَ السَّمَاءِ وَوَحْشَ الْأَرْضِ مَعَهُمْ لَفَعَلَ: ما هيَ كنوز الذَّهَب في قُدرَة الله تعالى؟ وهل يصعب عليه أن يحشر طير السماء مع كلّ الأنبياء كما فعل مع سليمان؟! تعالى ربُّنا عن كلّ نَقصٍ وَجَلَّ عن كلّ ضَعفٍ، لكنّ حكمته اقتضت أن يرسل الأنبياء على ما هم عليه من ضَعفٍ ظاهر ليختبر الخلق بهم، قال عليه السلام:
 
وَلَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلَاءُ وَبَطَلَ الجَزَاءُ.. وَلِذَلِكَ لَوْ أَنْزَلَ الله مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ، وَلَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلْوَى عَنِ النَّاسِ أَجْمَعِينَ: أيعجَزُ الخالقُ القديرُ عن أن يقهرَ عباده على الطاعة؟! فالعاجز ليس إلهاً، وإلهنا على كلّ شيءٍ قدير، لكنّه لو قهرهم على ذلك لما كان المطيعُ مستحقاً لمثوبة الله، بل ما كان المطيع مؤمناً، والزاهد زاهداً، لأنّ فعله لم يكن عن اختيارٍ وإقرار ٍبل عن جَبرٍ وإكراه.
 
وَلَكِنَّ الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِ نِيَّاتِهِمْ، وَضَعَفَةً فِيمَا تَرَى الْأَعْيُنُ مِنْ حَالاتِهِمْ..: إذا كان المؤمن من القوّة بحيث لا يُستَقَلُّ من دينه بشيء، فما حال أكمل المؤمنين وأقربهم لله تعالى، أنبيائه ورسله، فلهؤلاء قوّة في عزيمتهم لا يُدرَكُ حَدُّها ولا يُسبَرُ غَورُها، وإن رأى فيهم الناظر فقراً وفاقةً وحاجةً وضَعفاً، فإنّما كانوا كذلك لأنّ الله تعالى أرادهم على هذه الهيئة والنحو، إكمالاً لحجّته، وإتماماً لبلائه.
 
وَلَوْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لَا تُرَامُ، وَعِزَّةٍ لَا تُضَامُ، وَمُلْكٍ يُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ، وَيُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ لَكَانَ أَهْوَنَ عَلَى الخَلْقِ فِي الِاخْتِبَارِ، وَأَبْعَدَ لَهُمْ فِي الِاسْتِكْبَارِ، وَلآَمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهمْ، أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ.. وَلَكِنَّ الله أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الِاتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ، وَالتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ، وَالْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ، وَالِاسْتِكَانَةُ لِأَمْرِهِ، وَالِاسْتِسْلَامُ لِطَاعَتِهِ، أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً لَا تَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ، وَكُلَّمَا كَانَتِ الْبَلْوَى وَالِاخْتِبَارُ أَعْظَمَ كَانَتِ المَثُوبَةُ وَالجَزَاءُ أَجْزَل‏ (الكافي ج4 ص198-199).
 
هيَ إرادةُ الله إذاً، التي اقتضت أن يمتحنَ كلَّ خلقه، فبلاؤه واختبارُه وامتحانُهُ شاملٌ عميم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الكهف7)، وقال تعالى: ﴿الَّذي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الملك2).
 
لكنَّ عدلَه تعالى لا يعني لزوم كون الإمتحان على نوعٍ واحدٍ وصنفٍ فارد، ففضلاً عن تَنَوُّع ألوانه، خصَّ الله تعالى أقرَبَ الناس إليه بأشدِّ أنواع البلاء!
 
فتمسَّكَ المؤمن بعقيدةٍ هَوَّنَت عليه كلَّ مصيبةٍ من مصائب الدنيا، ومِن ذلك أمورٌ:
 
أ. البلاء على قدر الإيمان
 
يعتقد المؤمن أن البلاء يتناسبُ معَ درجة الإيمان، على خلافِ المعهود من قواعد المحبّة المعروفة، فإنّ المُحِبَّ يُخَفِّفُ عن حبيبه ويُهَوِّن عليه، لكنّ الله تعالى يشدِّدُ على أوليائه، لأنّ في ذلك صلاحَهم، والله تعالى يُحِبُّ صلاح عباده المؤمنين.
 
عن الإمام الصادق عليه السلام: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ (الكافي ج‏2 ص252).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وَيُبْتَلَى المُؤْمِنُ بَعْدُ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِ وَحُسْنِ أَعْمَالِهِ، فَمَنْ صَحَّ إِيمَانُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَمَنْ سَخُفَ إِيمَانُهُ وَضَعُفَ عَمَلُهُ قَلَّ بَلَاؤُهُ (الكافي ج‏2 ص252).
 
فَمَن تقرَّبَ من سلطانٍ أَمِنَ البلاء من جانبه، لكنَّ مَن تقرَّبَ من الله تَرَقَّبَ شدَّة البلاء منه تعالى، وقد قال الصادق عليه السلام: إِنَّمَا المُؤْمِنُ بِمَنْزِلَةِ كِفَّةِ المِيزَانِ، كُلَّمَا زِيدَ فِي إِيمَانِهِ زِيدَ فِي بَلَائِهِ (الكافي ج‏2 ص254).
فَمَن عقِلَ هذا المعنى عن الله تعالى هانَ عليه كلُّ بلاء.
 
ب. البلاء علامةُ حُبِّ الله
 
يُدرِكُ المؤمن أيضاً أنَّ البلاء علامةُ حبّ الله لعباده، كما قال الصادق عليه السلام: مَا أَحَبَّ الله قَوْماً إِلَّا ابْتَلَاهُمْ (الكافي ج‏2 ص252).
وهذا الإستثناء بعد النفي يفيد الحصر، بمعنى أنّ من لم يُبتل فالله لا يحبُّه، بل إنّ ابتلاء الله لمن يحبُّهم على نَسَقٍ خاص، حيث ورد عنه عليه السلام: إِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ عَبْداً غَتَّهُ بِالبَلَاءِ غَتّاً، وَإِنَّا وَإِيَّاكُمْ يَا سَدِيرُ لَنُصْبِحُ بِهِ وَنُمْسِي (الكافي ج‏2 ص253).
 
غَتَّهُ أي غَطَّهُ وغَمَّسَهُ كما تُغَطُّ الأشياء في الماء، فكأنَّ البلاء يأتيه من كلّ صوبٍ، فكما يقول الشيطان: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْديهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِم‏﴾ (الأعراف17)، كذلك يُحيطُ البلاءُ بالإنسان المؤمن، فيُريدُ الشيطانُ أن يُثَبِّطَهُ ويحبّطَهُ ويبطل عمله، ويريد الله أن يبتليه ليؤجره ويثيبه ويرفع درجته.
 
نعم يستثني الله تعالى أقواماً من ذلك، فيضِنُّ بهم عن البلاء لحكمةٍ، كما عن أبي جعفر عليه السلام: إِنَّ لله عَزَّ وَجَلَّ ضَنَائِنَ يَضَنُّ بِهِمْ عَنِ البَلَاءِ، فَيُحْيِيهِمْ فِي عَافِيَةٍ، وَيَرْزُقُهُمْ فِي عَافِيَةٍ، وَيُمِيتُهُمْ فِي عَافِيَةٍ، وَيَبْعَثُهُمْ فِي عَافِيَةٍ، وَيُسْكِنُهُمُ الجَنَّةَ فِي عَافِيَةٍ (الكافي ج‏2 ص462).
 
ولعلَّ بعض الفتن قد مرّت على هؤلاء فصبروا عليها، فرَفَعَ الله عنهم بذلك سائر الفتن والبلايا، كما يُشعِرُ به حديث الصادق عليه السلام: إِنَّ لله عَزَّ وَجَلَّ ضَنَائِنَ مِنْ خَلْقِهِ، يَغْذُوهُمْ بِنِعْمَتِهِ، وَيَحْبُوهُمْ بِعَافِيَتِهِ، وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، تَمُرُّ بِهِمُ البَلَايَا وَالفِتَنُ لَا تَضُرُّهُمْ شَيْئاً (الكافي ج‏2 ص462)، أو أنّهم يبتلون لكنَّهم لقوّة عقيدتهم ويقينهم يكون سلوكهم كَمَن لم يبتله الله.
 
أمّا مَن سَلِمَ مِنَ البلاء مطلقاً فليس لله فيه من حاجة! كما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: دُعِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إِلَى طَعَامٍ، فَلَمَّا دَخَلَ مَنْزِلَ الرَّجُلِ نَظَرَ إِلَى دَجَاجَةٍ فَوْقَ حَائِطٍ قَدْ بَاضَتْ، فَتَقَعُ الْبَيْضَةُ عَلَى وَتِدٍ فِي حَائِطٍ، فَثَبَتَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ تَسْقُطْ وَلَمْ تَنْكَسِرْ: ومِثلُ هذا يُعدُّ في نظر الخَلقِ كرامةً يفتخرون بها، ويتبارون فيها، ويعدّها بعضهم علامةً لرضا الله تعالى.
 
فَتَعَجَّبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَ عَجِبْتَ مِنْ هَذِهِ الْبَيْضَةِ، فَوَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رُزِئْتُ شَيْئاً قَطُّ.
قَالَ: فَنَهَضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ طَعَامِهِ شَيْئاً، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يُرْزَأْ فَمَا لله فِيهِ مِنْ حَاجَةٍ (الكافي ج‏2 ص256).
 
فهذا الرجل ما أصابته مصيبةٌ بحال، فكيف تُكَفَّرُ سيئاته؟ وكيف تُرفَعُ درجاته؟ فإن خُتمَ له بِخَير لم يكن من أهل القرب من الله تعالى ولا الحظوة لديه، وإن لم يكن منهم كان مستدرَجاً إلى حيث تتراكم معاصيه، ومآله إلى العذاب والشقاء.
حتى قال السجاد عليه السلام: إِنِّي لَأَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعَافَى فِي الدُّنْيَا فَلَا يُصِيبَهُ شَيْ‏ءٌ مِنَ المَصَائِبِ (الكافي ج‏2 ص256).
 
على أن الله تعالى قد يكفِّر عن عبده المؤمن ذنوبه بإدخال الغَمِّ والحزن عليه، كما روي عن الصادق عليه السلام: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يُكَفِّرُهَا ابْتَلَاهُ بِالحُزْنِ لِيُكَفِّرَهَا (الكافي ج‏2 ص444).
فصارَ البلاءُ باعثاً لراحة المؤمن ولو آلمته شِدَّتُه، وأزعجته صعوبته، فإنّه يعلم أنَّ الله قد ادّخر له ما هو أعظم من ذلك.
 
ج. البلاء طريق الثواب
 
وكما كان إيمان المؤمن وبلاؤه في كفَّةِ ميزانٍ واحدة، كُلَّمَا زاد أحدهما زاد الآخر، كذلك كان تَناسُبُ الثواب مع البلاء، فعن الصادق عليه السلام: إِنَّ عَظِيمَ الأَجْرِ لَمَعَ عَظِيمِ البَلَاءِ (الكافي ج‏2 ص252).
ومَن عقِلَ عن الله تعالى أدرك ذلك فَهَانَ عليه كلُّ بلاء عظيم.
 
وقد اشتكى عبد الله بن أبي يعفور أحد حواريي الإمام الصادق عليه السلام لإمامنا ما يلقى من الأوجاع، وكان كثير المرض، وهو الذي وصفه الإمام بأنّه (مؤمنٌ خالصٌ)، فأجابَهُ الإمامُ على شِكايته: يَا عَبْدَ الله، لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ مَا لَهُ مِنَ الأَجْرِ فِي المَصَائِبِ لَتَمَنَّى أَنَّهُ قُرِضَ بِالمَقَارِيضِ (الكافي ج‏2 ص255).
 
فالبلاءُ طريقُ المؤمن وسبيله لرفعة الدرجات، لذا كانَ البلاءُ بنفسه نعمةً من حيث مآله إلى عظيم الثواب، حتى روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ يُوَالِي عَلَيْكَ الْبَلَاءَ فَاشْكُرْه‏ (عيون الحكم والمواعظ ص136).
فصارت المصيبةُ عند المؤمن عطاءً من الله تعالى، كما قال الصادق عليه السلام: المَصَائِبُ مِنَحٌ مِنَ الله (الكافي ج‏2 ص260).
فكيف لا يصبرُ المؤمن على ما يصيبه، وكيف لا يكون صاحب قلبٍ مطمئن؟!
 
ولقد علَّمنا السجَّادُ معنى في غاية الرِّفعة والسموِّ حين حمد الله على العافية، ثم حمده على البلاء! وبيَّن أنهما معاً يستحقَّان الشُّكر، فقال عليه السلام:
 
اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى مَا لَمْ أَزَلْ أَتَصَرَّفُ فِيهِ مِنْ سَلَامَةِ بَدَنِي.
وَلَكَ الحَمْدُ عَلَى مَا أَحْدَثْتَ بِي مِنْ عِلَّةٍ فِي جَسَدِي!
فَمَا أَدْرِي يَا إِلَهِي، أَيُّ الحَالَيْنِ أَحَقُّ بِالشُّكْرِ لَكَ! وَأَيُّ الوَقْتَيْنِ أَوْلَى بِالحَمْدِ لَكَ!
 
أَ وَقْتُ الصِّحَّةِ الَّتِي هَنَّأْتَنِي فِيهَا طَيِّبَاتِ رِزْقِكَ، وَنَشَّطْتَنِي بِهَا لِابْتِغَاءِ مَرْضَاتِكَ وَفَضْلِكَ، وَقَوَّيْتَنِي مَعَهَا عَلَى مَا وَفَّقْتَنِي لَهُ مِنْ طَاعَتِكَ.
أَمْ وَقْتُ العِلَّةِ الَّتِي مَحَّصْتَنِي بِهَا، وَالنِّعَمِ الَّتِي أَتْحَفْتَنِي بِهَا، تَخْفِيفاً لِمَا ثَقُلَ بِهِ عَلَيَّ ظَهْرِي مِنَ الخَطِيئَاتِ، وَتَطْهِيراً لِمَا انْغَمَسْتُ فِيهِ مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَتَنْبِيهاً لِتَنَاوُلِ التَّوْبَةِ، وَتَذْكِيراً لِمَحْوِ الحَوْبَةِ بِقَدِيمِ النِّعْمَةِ، وَفِي خِلَالِ ذَلِكَ مَا كَتَبَ لِيَ الكَاتِبَانِ مِنْ زَكِيِّ الأَعْمَالِ، مَا لَا قَلْبٌ فَكَّرَ فِيهِ، وَلَا لِسَانٌ نَطَقَ بِهِ، وَلَا جَارِحَةٌ تَكَلَّفَتْهُ، بَلْ إِفْضَالًا مِنْكَ عَلَيَّ، وَإِحْسَاناً مِنْ صَنِيعِكَ إِلَيَّ (الصحيفة السجادية ص76).
وهذا من المعاني التي لا يكشفُها بهذا القالب إلا أهل بيت الوحي، الذين كشف لهم الغطاء فرأوا حقائق الأمور، وعقلوا عن الله أمره، فصاروا أسوةً لكلّ عاقل.
 
كم تُهوِّنُ هذه العقيدة على العبد شدائده وبلاءاته! وكم تقرِّبه من ربِّه وتُعرِّفه برحمته ولطفه وكرمه الخفي!
 
د. البلاء ميثاقٌ مع الله
 
لقد أثنى الله تعالى في كتابه على من أوفى بعهده ولم ينقض الميثاق: ﴿الَّذينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ الله وَلا يَنْقُضُونَ الْميثاقَ﴾ (الرعد20).
وَذَمَّ سِوَاهُم: ﴿وَالَّذينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ الله مِنْ بَعْدِ ميثاقِهِ.. أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (الرعد25).
 
وكان فيما تضمّنه ميثاق الله تعالى للناس فضلاً عن الإيمان به وبنبيّه وبوصيّه، ميثاقُ البلاء، وكلَّما ابتلى الله تعالى عباده المؤمنين علموا أنّ هذا مما أخذ الله عليهم ميثاقه فصبروا وأيقنوا بالخلف من بعد ذلك.
 
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ الله أَخَذَ مِيثَاقَ المُؤْمِنِ عَلَى بَلَايَا أَرْبَعٍ، أَيْسَرُهَا [أشدها] عَلَيْهِ مُؤْمِنٌ يَقُولُ بِقَوْلِهِ يَحْسُدُهُ، أَوْ مُنَافِقٌ يَقْفُو أَثَرَهُ، أَوْ شَيْطَانٌ يُغْوِيهِ، أَوْ كَافِرٌ يَرَى جِهَادَهُ، فَمَا بَقَاءُ المُؤْمِنِ بَعْدَ هَذَا (الكافي ج‏2 ص249).
 
وعن الصادق عليه السلام: مَا أَفْلَتَ المُؤْمِنُ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ، وَلَرُبَّمَا اجْتَمَعَتِ الثَّلَاثُ عَلَيْهِ:
 
إِمَّا بُغْضُ مَنْ يَكُونُ مَعَهُ فِي الدَّارِ، يُغْلِقُ عَلَيْهِ بَابَه‏ يُؤْذِيهِ: قَد يعتزلُ المؤمنُ الناس حيناً تَجَنُّباً لأذاهم، فيرسل الله له من يؤذيه ممن يكون معه في بيته ليصبر ويرفع له بذلك الدرجات، وقد لا يعتزلهم لكنّ الله يختارُ له البلاء من داخل داره.
أَوْ جَارٌ يُؤْذِيهِ: وقد يكون البلاء من الجار الذي لطالما كان المؤمنُ حريصاً على رعاية أمره والاهتمام بشؤونه.
أَوْ مَنْ فِي طَرِيقِهِ إِلَى حَوَائِجِهِ يُؤْذِيهِ.
وَلَوْ أَنَّ مُؤْمِناً عَلَى قُلَّةِ جَبَلٍ لَبَعَثَ الله عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ شَيْطَاناً يُؤْذِيهِ، وَيَجْعَلُ الله لَهُ مِنْ إِيمَانِهِ أُنْساً لَا يَسْتَوْحِشُ مَعَهُ إِلَى أَحَد (الكافي ج‏2 ص249).
 
فلو سَلِمَ من هذه البلاءات الثلاثة، بحيثُ اعتزل الخلق وعاشَ على رأس جبلٍ، لأرسل الله تعالى له من يؤذيه ولو كان ذلك شيطاناً، وما ذاك إلا: لِيَأْجُرَهُ عَلَى ذَلِك‏ (علل الشرائع ج1 ص44).
 
فالشياطين تارةً يؤذون الإنسان فيرفع الله له درجته، وتارةً يعملون على إضلاله، وقد ورد في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام: إِذَا مَاتَ المُؤْمِنُ خَلَّى عَلَى جِيرَانِهِ مِنَ الشَّيَاطِينِ عَدَدَ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ كَانُوا مُشْتَغِلِينَ بِهِ (الكافي ج‏2 ص251).
وكيفما كان، فالمؤمن هو الموفي بعهد الله، فيورثه الله سكينةً وأمناً وأماناً.
 
هـ. المعزّي هو الله
 
من بعد كلّ هذا يتوكّل المؤمنُ على ربّه، ويعلم أنَّ العزاء عزاءُ الله، فالعبيدُ عبيدُه، والبلاء بلاؤه: هو الذي أنزله، وهو القادرُ على رفعه، وهو الذي أمر بالصبر عليه، ووعد بالثواب الجزيل.
قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ الله تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ حَسَرَاتٍ عَلَى الدُّنْيَا (الكافي ج‏2 ص315).
 
وللمؤمن أسوَةٌ بسادة الخلق، وكيف كان يعزِّي بعضهم بعضاً في أحلك الظروف وأقساها، وهم الذين نزل عليهم من البلاء ما لم ينزل على أحدٍ من الخلق، فالبلاء على قدر الإيمان، وهم أكمَلُ الناس إيماناً، وأقربهم من ساحة قدس الله تعالى.
 
لقد روي عن إمامنا الباقر عليه السلام قوله: لمّا قُبِضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم بَاتَ آلُ مُحَمَّدٍ (ع) بِأَطْوَلِ لَيْلَةٍ، حَتَّى ظَنُّوا أَنْ لَا سَمَاءَ تُظِلُّهُمْ وَلَا أَرْضَ تُقِلُّهُمْ، لِأَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم وَتَرَ الْأَقْرَبِينَ وَالْأَبْعَدِينَ فِي الله: يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ المرء يُحفظ في وُلده، لكنّ (ص) وأقرب الناس إليه باتوا على حزنهم وشدَّة ألمهم لفراق حبيب (ص) متَرَقِّبين لِظُلمِ الأقربين والأبعدين!
 
فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَتَاهُمْ آتٍ لَا يَرَوْنَهُ، وَيَسْمَعُونَ كَلَامَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، إِنَّ فِي الله عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَنَجَاةً مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ، وَدَرَكاً لِمَا فَاتَ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾.. فَتَعَزَّوْا بِعَزَاءِ الله..
 
هذا مُعزٍّ أتاهم بالتعزية: مِنَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى (الكافي ج1 ص445-446)، وجاءهم الخضر ليعزيهم كذلك بعزاء الله (كمال الدين وتمام النعمة ج‏2 ص391).
 
ما فارَقَ التَّعَزِّي بعزاء الله آلَ محمد (ع)، وهذا إمامنا زين العابدين عليه السلام ينقل قول سَيِّدِ الشهداء عليه السلام للعقيلة زينب (ع) في العَشيّة التي استُشهِدَ فيها، مُصَبِّراً معزياً لها قائلاً:
تَعَزَّيْ بِعَزَاءِ الله، وَاعْلَمِي أَنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ يَمُوتُونَ، وَأَهْلَ السَّمَاءِ لَا يَبْقَوْنَ، وَأَنَّ كُلَّ شَيْ‏ءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَ الله الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ، وَيَبْعَثُ الْخَلْقَ وَيَعُودُونَ، وَهُوَ فَرْدٌ وَحْدَهُ.
أَبِي خَيْرٌ مِنِّي، وَأُمِّي خَيْرٌ مِنِّي، وَأَخِي خَيْرٌ مِنِّي، وَلِي وَلِكُلِّ مُسْلِمٍ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم أُسْوَةٌ، فَعَزَّاهَا بِهَذَا وَنَحْوِهِ (الإرشاد ج‏2 ص94).
 
فكلُّ مصيبةٍ نزلت على المؤمن وَجَدَ في عزاء الله سَلوةً لها، وفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآله أسوةً له، فهانت عليه مصيبته، وخَلَى قلبُه من الحسرة، وامتلأ نوراً تُضِيؤُهُ له مصابيحُ الهداية الإلهية، وسما قلبُهُ واقترب من ربِّه.
 
وكلَّما اقترب العبدُ من ربِّه كلّما تعاهده بالبلاء كما تعاهَدَ الكُمَّلَ من الأولياء، فيصبرُ على بلاء الله، ولَو قُهِرَ على إظهار كلمة الكفر، فيبقى قلبه مطمئناً بالإيمان، كعمّار بن ياسر وقد أنزل الله تعالى فيه آياتٍ تُتلَى آناء الليل وأطراف النهار: ﴿مَنْ كَفَرَ بالله مِنْ بَعْدِ إيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإيمانِ﴾ (النحل106).
 
أين آية بما كسبت أيديكم؟
 
يسأل عليُّ بن رئابٍ وهو ثقةٌ جليل القدر إمامنا الصادق عليه السلام عن قول الله تعالى: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، فيقول: أَ رَأَيْتَ مَا أَصَابَ عَلِيّاً وَأَهْلَ بَيْتِهِ (ع) مِنْ بَعْدِهِ، هُوَ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَهُمْ أَهْلُ بَيْتِ طَهَارَةٍ مَعْصُومُونَ؟
 
إذا كانت كلُّ مصيبةٍ من كَسبِ الناس، فكيف يجتمعُ هذا مع نزول البلاء والمصائب على آل محمد عليهم السلام مع عصمتهم؟! بل كيف يكون البلاء النَّازلُ عليهم أعظم من كلِّ بلاء؟! ألا تكشفُ الآيةُ أنّ مَن كَثُرَ نزول البلاء عليه كان ذلك من كَسبِ يديه؟!
 
يقول الإمام عليه السلام مجيباً ابن رئاب: إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم كَانَ يَتُوبُ إِلَى الله وَيَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِائَةَ مَرَّةٍ مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ، إنَّ الله يَخُصُّ أَوْلِيَاءَهُ بِالمَصَائِبِ لِيَأْجُرَهُمْ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ (الكافي ج‏2 ص450).
 
كان هذا استفسارَ مُستَفهِمٍ يَتَعَلَّمُ مِنَ الإمام، فَبَيَّنَ الإمامُ ما تقدَّم في سائر الأحاديث من مفاهيم تجعلُ المؤمنَ مطمئناً مع كلّ بلاء، فإنَّ البلاء إن كان ثمرةَ ما كسبت أيدي العباد كان جزاءً عاجلاً وتكفيراً عن ذنبٍ، ليصل العبدُ إلى القيامة نَقياً صافياً خالصاً، وإن لم يكن لمعصيةٍ كان علامة حبِّ الله تعالى لعبده، ومُشعِراً بِرِفعَةِ درجته.
 
لكنّ شخصاً آخر من أعداء آل محمدٍ عليهم السلام ذكر الآية نفسها مِن قبلُ للإمام زين العابدين عليه السلام بعدما أُدخِلَ إليه وأوقِفَ بين يديه، ذاك يزيد بن معاوية، بعدما قَتَلَ سيّد الشهداء عليه السلام وأهلَه، وسبى عياله، ثمَّ تلى بمحضر إمام زمانه زين العابدين عليه السلام هذه الآية: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
 
فزعَمَ هذا اللعينُ أنَّ قَتلَ الحسين عليه السلام إنّما كان بِذَنبٍ! وأنّ كل ما وقع على آل محمد كان بذنوبهم! وهم أهل بيت الطهارة والعصمة، فأجابه الإمام عليه السلام: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا، إِنَّ فِينَا قَوْلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ (الكافي ج‏2 ص450).
 
وفي رواية أخرى أكمل عليه السلام قوله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى‏ ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ (الحديد23).
ثم قال عليه السلام: فَنَحْنُ الَّذِينَ لَا نَأْسَوْ عَلَى مَا فَاتَنَا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَلَا نَفْرَحُ بِمَا أُوتِينَا (تفسير القمي ج2 ص277).
 
فموردُ الآية الأولى مَن تكسبُ أيديهم المعاصي، أما الأولياء فإنهم كما الأنبياء، يخصُّهم الله تعالى بعظيم المصائب من غير ذنبٍ، وذلك سابقٌ في علم الله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها﴾.
 
لَقَد سُلِبَ حقُّ عليٍّ بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وظُلِمَت وقُتِلَت البضعة الطاهرة عليها السلام، وسُمَّ الحسن وقُتِلَ الحسين عليهما السلام، ولم يكن فيهم عليهم السلام من يأسى على ما فات من الدُّنيا.
 
وهؤلاء الكُمَّل هم المصداقُّ الأتمُّ للزُّهّاد في الدنيا، وقد وصف أمير المؤمنين عليه السلام الزاهد بأنّه: قَدْ خَرَجَتِ الأَحْزَانُ وَالأَفْرَاحُ مِنْ قَلْبِهِ، فَلَا يَفْرَحُ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَا يَأْسَى عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْهَا فَاتَهُ، فَهُوَ مُسْتَرِيحٌ (الكافي ج‏2 ص456).
 
هذه هي الراحةُ المنشودة، وهذه طريقُها، ولِكُلِّ مؤمنٍ منها نصيبُه.
أما فَرَحُ المؤمن بما آتاه الله، فيأتي بحثه إن شاء الله.
 
والحمد لله رب العالمين

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!