في زمنٍ تتعاظم فيه المحن وتشتد فيه الأزمات على الشعوب، يبرز الموقف الإنساني الأصيل بوصفه الامتحان الحقيقي لقيم المجتمعات وصدق انتمائها الديني والأخلاقي. ومع ما تعرّض له أهلنا في لبنان وإيران من ظروفٍ قاسيةٍ خلّفت أضرارًا إنسانية واسعة، جاء نداء المرجعية الدينية العليا ليؤكد مجددًا أن نصرة المظلوم وإغاثة المنكوب ليست خيارًا، بل واجبٌ شرعيٌّ وإنسانيٌّ لا يقبل التأجيل.
لقد حمل بيان المرجعية روح المسؤولية التاريخية، داعيًا إلى مدّ يد العون والمساهمة الفاعلة في تخفيف معاناة المتضررين، فكان لهذا النداء صداه الكبير في نفوس المؤمنين، حيث شهدت الساحة استجابةً واسعة من معتمدي المرجعية الذين بادروا إلى تنظيم حملات التبرع، وإيصال المساعدات بكل أمانة وشفافية.
ولم يقتصر العطاء على جهةٍ دون أخرى، بل كان مشهدًا وطنيًا جامعًا؛ إذ شارك وجهاء المجتمع وشيوخ العشائر مشاركةً فاعلة، مؤكدين أن القيم الأصيلة للعشيرة العراقية تقف دائمًا إلى جانب الحق والإنسانية، وأن الشهامة لا تعرف حدودًا جغرافية حين يتعلق الأمر بإغاثة الملهوف.
أما النساء، فقد قدّمن صورةً ناصعةً من صور البذل والإيثار، حين بادرن إلى التبرع بما يملكن من الذهب والفضة، في موقفٍ يعكس عمق الإيمان وروح التضحية، مستلهماتٍ في ذلك سيرة نساء الإسلام الأوائل. ولم يكن الأطفال بعيدين عن هذا المشهد الإنساني المؤثر، إذ سارعوا إلى التبرع بحصالاتهم ومدخراتهم البسيطة التي جمعوها في الأعياد، ليؤكدوا أن روح العطاء تُغرس في النفوس منذ الصغر، وأن الرحمة لا تعرف عمرًا.
دور العتبات المقدسة… تنظيمٌ وعطاءٌ متواصل
وبرزت العتبات المقدسة بدورٍ محوريٍّ في هذه الحملة المباركة، حيث سخّرت إمكاناتها المادية والبشرية لتنظيم عمليات جمع التبرعات وتنسيقها، وضمان وصولها إلى مستحقيها بأعلى درجات الدقة والشفافية. فقد فتحت أبوابها لاستقبال التبرعات بمختلف أشكالها، من الأموال إلى المواد العينية، بل وتولت بعض مؤسساتها إعداد القوافل الإغاثية وتجهيزها بما يلزم من مواد غذائية وطبية.
كما أسهمت الأقسام المختصة في العتبات في إطلاق حملات توعوية وإعلامية لحثّ المجتمع على المشاركة الفاعلة، مستندةً إلى خطاب ديني وإنساني يعزّز ثقافة التكافل والتراحم. ولم تقتصر جهودها على الجانب اللوجستي، بل كانت حاضرةً أيضًا في الميدان، عبر متابعة إيصال المساعدات والتنسيق مع الجهات المعنية داخل وخارج العراق.
إن هذا الدور يعكس الامتداد الطبيعي لرسالة العتبات المقدسة التي لم تكن يومًا أماكن للعبادة فحسب، بل مناراتٍ للعطاء الإنساني ومراكز إشعاعٍ حضاري، تجسد قيم الإسلام في خدمة الإنسان أينما كان.
إن هذا التفاعل الواسع يجسد قول الله تعالى:
﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ﴾ (البقرة: 261)،
كما يعبّر عن الامتثال لقوله سبحانه:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: 2).
وقد أكّد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) هذا المعنى بقوله:
"من نفّس عن مؤمنٍ كربةً من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة"،
وقوله الشريف:
"مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى".
إن ما نشهده اليوم من هذا الحراك المبارك ليس مجرد حملة تبرعات، بل هو تجسيد حيٌّ لرسالة الإسلام في نصرة المظلوم، وترجمة عملية لنهج المرجعية التي ما فتئت تؤكد على وحدة الأمة وتكافلها. وهو أيضًا رسالة إلى العالم بأن الشعوب الحية لا تتخلى عن مسؤولياتها، وأن الضمير الإنساني لا يزال نابضًا رغم كل التحديات.
إن هذه المبادرات المباركة تمثل صفحةً مشرقةً في سجل العطاء الإنساني، وتؤكد أن الأمة التي تستجيب لنداء الحق، وتلتف حول قيادتها الحكيمة، قادرةٌ على تحويل الألم إلى أمل، والمحنة إلى منحة، عبر التضامن والتكافل والإيمان العميق بأن الله لا يضيع أجر المحسنين.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!