كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

من أساطين علمائنا... أبو علي الفضل بن الحسن الطَّبَرْسي والتقريب بين المذاهب 


أبو علي الفضل بن الحسن الطَبرِسي الطوسي السبزواري الرضوي أو المشهدي، الملقب بـأمين الإسلام، مفسر ومحدث وفقيه ومتكلم وأديب ومحقق لغوي ورياضي، من أجلاء علماء الإمامية في القرن السادس الهجري. يُنسب إلى طبرستان (والنسبة إلى طبرستان إما طبرسي أو طبري). وهو صاحب كتاب البيان في تفسير القران الذي يُعدّ من التفاسير المهمة عند الإمامية.
     ثمة خلط بين علماء أعلام يحملون لقب الطبرسي. منهم وَلَدُ المترجَم له، الحسن بن الفضل صاحب كتاب مكارم الأخلاق، وهو من الكتب التي يقتنيها الناس ويشتمل على مكارم أخلاق النبي الكريم(صلى الله عليه واله) في اللباس والطعام والشراب والهيأة الشخصية وروايات الأئمة (عليهم السلام)في ذلك الشأن. ثم هناك أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي صاحب كتاب الاحتجاج. 
    وُلِدَ الشيخ الفضل بن الحسن الطبرسي (رضوان الله عليه) في مدينة مشهد سنة 468 هجرية أو 469 هجرية. ابنه أبو نصر الحسن بن الفضل بن الحسن الطبرسي صاحب كتاب مكارم الأخلاق، كما أشرنا، وحفيده أبو الفضل علي بن الحسن الطبرسي صاحب كتاب نثر اللآلئ في كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام(أحيانا يُنسب إلى جده الفضل بن الحسن المترجم له في المقال الحالي) وكتاب مشكاة الأنوار    في غرر الأخبار، وهو كتاب مكمِّل لكتاب مكارم الأخلاق.
سبب تأليف مجمع البيان في تفسير القرآن: 
قيل إن الشيخ الطبرسي(رضوان الله عليه) نجى من سكتة كادت تودي بحياته حتى أنه دُفن. وعندما أفاق ووجد نفسه في القبر، نذر لله نذرا وهو أن يؤلِّفَ تفسيرا للقرآن إن نجّاه الله من تلك الشدة. فخرج من قبره، في قصة مشهورة مروية عن حياته. 
   اتَّصف تفسيره المكون من عشرة مجلدات بالإتقان وحسن الترتيب والتبويب. جمع فيه كثيرا عن اللغة والإعراب وبيان النظم وأسباب النزول، ناهيك عن تفصيل المعنى "دون اطناب ممل ولا اختصار مخل". كان يسرد فيه مختلف الأقوال ويترك الحكم فيه للقارئ. ومما يذكر أن الشيخ الطبرسي(رضوان الله عليه) استفاد من تفسير الشيخ الطوسي(رضوان الله عليه) البيان، كما يذكر ذلك هو نفسه في كتابه مجمع البيان في تفسير القرآن.  وقد فاق تفسيرُه تفسيرَ الشيخ الطوسي في الترتيب والتهذيب والتحقيق والتنميق وكذلك في اختصار الفروع الفقهية التي أكثر الشيخ الطبرسي من ذكرها. وهو من أحسن التفاسير وأجمعها لفنون العلم وأحسنها ترتيباً، وقد فرغ من تأليفه منتصف ذي القعدة سنة ست وثلاثين وخمسمائة للهجرة. 
   ومن مواصفات تفسير مجمع البيان أنه إضافة إلى ما ذكرناه آنفا، يعترف بفضل الآخرين عليه، كما أنه لم يقتصر على رأي واحد فحسب، بل يعرض الآراء كلها ويترك الأمر للقارئ كي يختار ما هو مناسب. 
    ويُذكر أن بعض الرواة اشتبهوا فخلطوا بين الشيخ الطبرسي والشيخ الطوسي حتى في تاريخ الوفاة.
   ومن الجدير بالذكر أن الشيخ الطبرسي (رضوان الله عليه) أدرك ما للقرآن الكريم من أهمية في حفظ وحدة الأمة. فلكون القرآن الكريم يحوي تبيانا لكل شيء، فلا بد أن في القرآن منارات وعلائم تشير إلى ما ينبغي أن يسلكه أبناء الأمة لتحقيق التآلف بين أبنائها. فكرس الشيخ جهوده لتفسير القرآن الكريم، فشرح ما فيه من مقاصد أحيانا بالتفصيل كما في مجمع البيان، وأحيانا أخرى باختصار فيما ألَّفَ من التفاسير الأخرى. وقد انماز الشيخ الطبرسي(رضوان الله عليه) عن سائر المفسرين في "أنه قام بتهيئة الأرضية اللازمة للتقارب المذهبي، بل للوحدة بين المسلمين، على مستوى المضمون والأسلوب"(آل سيف، 2012: 70).  
مشايخه وأساتيذه(رضوان الله عليهم):
تتلمذ الشيخ الطبرسي على عدة علماء منهم أبو علي الحسن الطوسي (ابن الطوسي شيخ الطائفة) الذي كان يُعرف بالمفيد الثاني وهو من تلاميذ الشريف المرتضى(رضوان الله عليه)، وعبدالجبار بن علي المقري الرازي والحسن بن الحسين بن الحسن بن بابويه القمي الرازي وموفق الدين بن الفتح الواعظ البكرآبادي ومحمد بن الحسين الجرجاني وعبدالله بن عبدالكريم بن هوازن القشيري وعبيد الله محمد بن الحسين البيهقي وجعفر الدورستي. 
 
تلامذته(رضوان الله عليهم):
هناك كثير من العلماء ممن يُعدّون من تلامذة الشيخ الطبرسي وقد رووا عنه، ومن جملتهم أبو نصر الحسن بن الفضل صاحب الكتاب المشهور مكارم الأخلاق  ورشيد الدين أبو جعفر محمد بن علي بن شهرآشوب والشيخ منتجب الدين صاحب كتاب الفهرست والقطب الراوندي والسيد فضل الله الراوندي صاحب كتاب الخرائج والجرائح وسيد أبو أحمد مهدي بن نزار الحسيني القايني والسيد شرف شاه بن محمد بن زياد الأفطسي والشيخ عبدالله بن جعفر الدورستي وشاذان بن جبرئيل القمي.
اقوال العلماء في حقه(رضوان الله عليه):
قيل في الشيخ الطبرسي(رضوان الله عليه) كثير من الأقوال التي تدل على مكانته العلمية. فقد ورد عنه في كتاب نقد الرجال للسيد الأمير مصطفى التفريشي في تعليقه العلامة محمد باقر البهبهاني "ثقة فاضل ديّن عين، من أجلاء هذه الطائفة". وقال عنه المولى نظام الدين القرشي تلميذ الشيخ البهائي "ثقة فاضل دين عين. وقال عنه الشيخ منتجب الدين علي بن عبيد الله بن بابويه إنه إمام ثقة فاضل دين عين. وقال عنه العلامة المجلسي في الوجيزة ثقة جليل. وورد في مستدركات الوسائل إنه "فخر العلماء الأعلام وأمين الملة والإسلام، المفسر الفقيه الجليل الكامل النبيل، صاحب تفسير مجمع البيان الذي عكف عليه المفسرون، وغيره من المؤلفات الرائقة الشائع جملة منها. وعن رياض العلماء للشيخ الحافظ الملا عبد الله الاصفهاني المعروف بالأفندي "الشيخ الإمام الفاضل السعيد الشهيد". وقد نقل ذلك "في مستدركات الوسائل بعد نقل ذلك ولم يذكر هو ولا غيره كيفية شهادته، ولعلها كانت بالسم".


مؤلفاته(رضوان الله عليه):
بعض مؤلفات الشيخ الطبرسي مشهور مثل مجمع البيان في تفسير القرآن، وهو أحد التفاسير المهمة لدى الإمامية. وبعض كتبه تأتي في مرتبة أدنى، لكنها على قدر كبير من الأهمية ومنها جامع الجوامع أو جوامع الجامع الذي يحتوي على كليات مجمع البيان، كما إنه اختصار لتفسير الكشاف للزمخشري والوافي، وهو كتاب تفسير أيضا، وإعلام الورى بأعلام الهدى وإعلام الورى في فضائل الأئمة في مجلدين وتاج المواليد والآداب الدينية والخزانة المعينية والنور المبين والفائق وغنية العابد وكنوز النجاح وعدة السفر وعمدة الحضر ومعارج السؤال وأسرار الأئمة ومشكاة الأنوار ورسالة حقائق الأمور والعمدة في أصول الدين والفرائض والنوافل وشواهد التنزيل لقواعد التفضيل.
وفاته(رضوان الله عليه):
    توفي الشيخ الطبرسي(رضوان الله عليه) في ليلة عيد الأضحى سنة 548 هجرية. ودفن في المشهد الرضوي المقدس وقبره الآن معروف في موضع يقال له (قتلگاه) أي مقتل القتلى، وذلك لما وقع في ذلك المكان من قتلٍ عامٍ بأمر عبيد الله خان أمير الأزبك في أواخر الدولة الصفوية. وقبره معروف يُزار ويُتبرَّك به.

المصادر:
-    آل سيف، فوزي، 2012، من أعلام الامامية بين الفقيه العماني وآغا بزرك الطهراني. بيروت: دار الصفوة.
-    الأمين، السيد محسن، أعيان الشيعة الجزء الثامن النسخة الأليكترونية.
-    الزركلي، خير الدين، 2007، الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين الجزء الخامس. بيروت: دار العلم للملايين.

ابو_الفضل_الطبرسي.jpg

 

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!