كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

التعليم: غاية أم وسيلة؟ قراءة مقارنة بين التجارب المتقدمة وواقع التعليم في العراق

يُعدّ التعليم من أكثر القضايا إشكالية في الفكر التربوي المعاصر: هل هو غاية بحد ذاته تُبنى عليها شخصية الإنسان ووعيه، أم وسيلة لتحقيق أهداف اقتصادية ووظيفية؟ هذا السؤال يكتسب أهمية مضاعفة عند مقارنته بين أنظمة تعليمية متقدمة مثل النمسا والسويد، وبين واقع التعليم في العراق الذي يعاني من اختلالات بنيوية عميقة.

أولًا: التعليم في الدول المتقدمة… الغاية قبل الوسيلة

في الدول المتقدمة، لا يُنظر إلى التعليم بوصفه مجرد طريق للحصول على وظيفة، بل هو مشروع بناء إنساني شامل. ففي النمسا والسويد، يرتكز النظام التعليمي على:

تنمية التفكير النقدي والإبداعي بدل الحفظ والتلقين.
بناء شخصية متوازنة قادرة على اتخاذ القرار.
ربط التعليم بالحياة وليس فقط بسوق العمل.
العدالة التعليمية من خلال تقليل الفوارق بين الطبقات.

التعليم هنا غاية بحد ذاته، لأنه يصنع الإنسان القادر على إنتاج المعرفة، وليس مجرد استهلاكها. أما الوظيفة فهي نتيجة طبيعية لهذا البناء، لا الهدف الوحيد منه.

ثانيًا: التعليم كوسيلة… الانحراف في المفهوم

في المقابل، يتحول التعليم في بعض الأنظمة إلى وسيلة بحتة، هدفها الحصول على شهادة أو وظيفة. وعندما يُختزل التعليم إلى “وسيلة”، تظهر عدة ظواهر سلبية:

تراجع القيمة المعرفية.
انتشار الغش والتحايل.
ضعف الكفاءة الحقيقية للخريجين.
تحويل الطالب إلى رقم في منظومة إنتاج الشهادات.
ثالثًا: واقع التعليم في العراق… أزمة الغاية والوسيلة

يعاني النظام التعليمي في العراق من أزمة مركبة، يمكن تلخيصها في اختلال العلاقة بين الغاية والوسيلة:

هيمنة التلقين وضعف التفكير النقدي
المناهج تعتمد على الحفظ، مما يفقد التعليم جوهره كعملية بناء فكري.
تراجع دور المدرسة الحكومية
ضعف البنية التحتية وقلة الإمكانات دفع الكثير من العوائل إلى التوجه نحو المدارس الأهلية.
تحول بعض المدارس الأهلية إلى مشاريع استثمارية
وهنا تكمن المشكلة الأخطر، إذ أصبحت بعض هذه المدارس تعتمد على:
رفع نسب النجاح كوسيلة لجذب الطلبة.
تسويق الشهادات بدل بناء القدرات.
إرضاء أولياء الأمور على حساب جودة التعليم.

في هذه الحالة، لم يعد النجاح نتيجة طبيعية للتعلم، بل أصبح أداة تسويقية، مما يفرغ التعليم من مضمونه الحقيقي.

رابعًا: المقارنة… الفجوة الحضارية

عند المقارنة بين العراق والدول المتقدمة، تتضح فجوة عميقة:

في النمسا والسويد:
التعليم يبني الإنسان أولًا ثم يخدم الاقتصاد.
في العراق (في كثير من الحالات):
التعليم يُختزل إلى شهادة، وأحيانًا إلى سلعة.

هذه الفجوة ليست تقنية فقط، بل فكرية وثقافية، تتعلق بفلسفة التعليم نفسها.

خامسًا: نحو إعادة تصحيح المسار

إعادة الاعتبار للتعليم في العراق تتطلب:

إعادة تعريف الغاية من التعليم: بناء الإنسان قبل تأهيله وظيفيًا.
إصلاح المناهج لتشجيع التفكير لا الحفظ.
ضبط عمل المدارس الأهلية ومنع تحويلها إلى مشاريع ربحية بحتة.
تعزيز دور الدولة في توفير تعليم مجاني عالي الجودة.
تأهيل الكوادر التربوية لتواكب الأساليب الحديثة.
إن التعليم ليس مجرد وسيلة ولا غاية مطلقة بمعزل عن الواقع، بل هو غاية في بناء الإنسان، ووسيلة في خدمة المجتمع. لكن الخلل يبدأ حين تتحول الوسيلة إلى هدف، ويُختزل التعليم في “النجاح الورقي”. عندها، نخسر الإنسان ونخسر المستقبل معًا.

إن التجارب العالمية تثبت أن الأمم لا تُبنى بالشهادات، بل بالعقول؛ ولا تتقدم بكثرة الناجحين، بل بجودة المتعلمين.

التعليم_العراق.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!