تلعبَ العشائرُ العراقيةُ دورا تاريخيا واجتماعيا مهما في بنيةِ المجتمع، إذْ تعودُ منْ أقدمَ النظمَ الاجتماعيةَ التي حافظتْ على تماسكِ الأفرادِ وروابطهمْ عبرَ الزمنِ وقدْ برزَ هذا الدور- بشكلٍ واضح- في مختلفِ المراحلِ التي مرَ بها العراق، خاصةً في فتراتِ الأزماتِ والتحدياتِ الأمنية، حيثُ أسهمتْ العشائرُ في تعزيزِ الاستقرارِ ومنعِ تفاقمِ النزاعات.
أولاً أهميةَ العشائرِ
تتمثلُ أهميةَ العشائرِ في قدرتها على فضِ النزاعاتِ بطرقِ سلميةٍ منْ خلالِ الأعرافِ والتقاليدِ المتوارثة، مثلٌ الصلحِ العشائريِ والدية، مما يساعدُ على تخفيفِ العبءِ عنْ مؤسساتِ الدولةِ القضائية. كما أنَ شيوخَ العشائرِ يمتلكونَ تأثيرا كبيرا في توجيهِ أفرادِ عشائرهمْ نحوَ الالتزامِ بالقيمِ الوطنيةِ ونبذِ العنف، وهوَ ما يعززُ روحَ التعايشِ والتسامحِ بينَ مختلفِ مكوناتِ المجتمعِ العراقي. إنَ دورَ العشائرِ لا يقتصرُ على الجانبِ الاجتماعيِ فحسب، بلْ يمتدُ ليشملَ دعمَ السلمِ الوطنيِ وترسيخِ الأمنِ المجتمعي، مما يجعلها عنصرا فاعلاً ومكملاً لجهودِ الدولةِ في بناءِ مجتمعٍ مستقرٍ ومتماسك. وقدْ شهدَ تطورا ملحوظا عبرَ الزمن، مما جعلهُ يلعبُ دورا مهما في حفظِ التوازنِ الاجتماعيِ وتعزيزِ الروابطِ بينَ الناس. وللمشايخ، بصفتهمْ رموزِ هذا النظام، تأثيرٌ واضحٌ في توجيهِ المجتمع، سواءً على المستوى الإيجابيِ أوْ السلبيِ للبعضِ منْ المظاهرِ التي تختلفُ الآراءُ في تقييمها.
ثانيا العشائرَ والإسلامَ
يعدْ نظامُ العشائرِ والقبائلِ منْ أقدمَ الأنظمةَ الاجتماعيةَ التي عرفها الإنسان، وقدْ جاءَ القرآنُ الكريمُ ليعالجَ هذا الواقعِ لا بالرفضِ أوْ الإلغاء، بلْ بالتقويمِ والتوجيهِ نحوَ القيمِ الإنسانيةِ العليا.
ففي بدايةِ التصورِ الإسلامي، يبينَ القرآنُ أنَ التنوعَ البشريَ إلى شعوبِ وقبائلَ هوَ أمرٌ مقصود، حيثُ يقولُ تعالى: (يا أيها الناسُ إنا خلقناكمْ منْ ذكرِ وأنثى وجعلناكمْ شعوبا وقبائلَ لتعارفت) الحجرات: 13 ) . إذ، تؤكدَ هذهِ الآيةِ أنَ وجودَ العشائرِ ليسَ سببا للصراعِ أوْ التفاخر، بلْ وسيلةً للتعارفِ والتكاملِ بينَ الناس، مما يعكسُ نظرةَ الإسلامِ الواقعيةِ للمجتمعِ البشري. لكنَ هذا الاعترافِ لا يعني إعطاءَ الأفضليةِ للعشيرةِ على غيرها، إذْ يضيعُ القرآنُ معيارا مختلفا تماما للتفاضل، حيثُ يكملُ في نفسِ الآية: (إنَ أكرمكمْ عندَ اللهِ أتقاكمْ ) . الحجرات: 13 ).
وهنا ينتقلُ الإسلامُ بالمجتمعِ منْ معاييرِ النسبِ والانتماءِ الضيقِ إلى معيارٍ أخلاقيٍ قائمٍ على التقوى والعملِ الصالح، ليكسر بذلكَ النزعاتِ القبليةَ التي كانتْ سائدة. ومنْ جهةٍ أخرى، لمْ يهملْ الإسلامُ الروابطَ العائليةَ والعشائرية، بلْ أكدَ على أهميتها في بناءِ المجتمع، كما يظهرُ في قولهِ تعالى: (وأنذرْ عشيرتكَ الأقربينَ) الشعراء: 214. فالدعوةُ تبدأُ منْ الأقربين، والعنايةُ بالعشيرةِ جزءً منْ المسؤوليةِ الاجتماعية، مما يدلُ على أنَ الإسلامَ يدعو إلى الحفاظِ على هذهِ الروابطِ ولكنْ ضمنِ إطارٍ أخلاقيٍ سليم.
غيرَ أنَ القرآنَ ، يحذرُ بشدةِ منْ الانحرافِ بهذهِ الروابطِ نحوَ التعصبِ الأعمى، وهوَ ما عبرَ عنهُ بقولهِ تعالى: ( إذْ جعلَ الذينَ كفروا في قلوبهمْ الحميةِ حميةَ الجاهليةِ) الفتح: 26. فالعشائريةُ المذمومة، هيَ التي تدفعُ الإنسانَ لنصرةِ قومهِ على الباطل، أوْ التفاخرِ بهمْ على الآخرين، وهيَ سلوكياتٌ جاءَ الإسلامُ للقضاءِ عليها.
ويعززَ هذا التوجهِ مبدأَ العدلِ الذي يعدُ حجرُ الأساسِ في الإسلام، في قولهِ تعالى: (كونوا قوامينَ بالقسطِ ) ، النساء: 135. أيْ أنَ العدالةَ يجبُ أنْ تكونَ فوقَ كلِ اعتبار، حتى لوْ تعارضتْ معَ مصلحةِ العشيرةِ أوْ الأقارب. فالإسلامُ لا يقبلُ أنْ يكونَ الانتماءُ سببا في الظلمِ أوْ التمييز.
وهكذا يتضحُ أنَ الإسلامَ قدمَ رؤيةً متوازنةً للعشائر؛ فهوَ لمْ يلغها باعتبارها جزءا منْ الفطرةِ الاجتماعية، ولمْ يتركها دونُ ضوابط، بلْ وضعُ لها إطارا أخلاقيا يقومُ على التعارف، والتكافل، والعدل، ونبذَ التعصب. وبذلكَ تحولتْ العشيرةُ في الإسلامِ منْ أداةِ صراعٍ وانقسامٍ إلى وسيلةِ بناءِ وتعاونِ ضمنَ مجتمعٍ إنسانيٍ أوسع.
ثالثا. الممارسات الإيجابيةَ
لا يمكنُ إنكارَ الدورِ الإيجابيِ الذي يقومُ بهِ شيوخُ العشائرِ في كثيرٍ منْ الجوانب، حيثُ يسهمونَ في:
- حلُ النزاعاتِ بينَ الأفرادِ والعشائرِ بطرقِ سلمية.
- الحدُ منْ تفاقمِ المشكلاتِ والإثاراتِ التي قدْ تهددُ السلمَ المجتمعي.
- نشرُ ثقافةِ التسامحِ والتصالحِ بينَ الناس.
- دعمُ الاستقرارِ الاجتماعيِ وتقويةُ الروابطِ بينَ أبناءِ المجتمع.
- أثبتَ هذا الدورِ أهميتهُ خاصةً في المناطقِ التي قدْ تضعفُ فيها مؤسساتُ الدولة، حيثُ يكونُ للعشيرةِ دور مكملٍ في ضبطِ العلاقاتِ الاجتماعية.
رابعا الممارسات الغير مفضلة
رغمَ هذهِ الإيجابياتِ المتعددةِ في هذا الظرفِ الذي نعيشهُ في بلدنا، ظهرتْ في الآونةِ الأخيرةِ بعضَ الممارساتِ الغير مفضلة، منْ قبلِ البعض وهم القلة، التي أثرتْ على صورةِ العشائر الرائدة الكريمة، ومنْ أبرزها:
- التدخلُ في شؤونِ التقاضي العادل، وفرضَ حلولٍ قدْ تتعارضُ معَ القوانينِ أوْ الشريعة.
- الدفاعُ عنْ بعضِ المخطئينَ أوْ المجرمينَ بدافعَ الانتماءِ العشائري.
- فرضُ مبالغَ ماليةٍ كبيرةٍ ، فيما يعرفُ ب الفصلُ العشائريُ ”، مما يثقلُ كاهلَ الأفراد.
- بروزُ شيوخٍ جددٍ دونِ امتلاكهمْ تاريخا أوْ خبرةٍ حقيقيةٍ في إدارةِ شؤونِ العشيرة، وتخبطهم في قراراتهم.
- إصدارُ قراراتِ أو“ فتاوى عشائريةٍ منْ قبلِ البعضِ لا تنسجمُ معَ الأعرافِ الأصيلة.
خامسا الممارسات الجديدةَ
برزتْ بعضَ المظاهرِ في حالاتِ التباهي والإسرافِ بشكلٍ واضح، والتي لاقتْ بعضَ النقدِ منْ قبلُ المرجعياتِ الدينيةِ أوْ المجتمعية، لكنَ بعضها مسترخٍ في المجتمع، فالبعضُ يصعبُ الابتعادُ عنها، لكونها لها تأريخ متاصل فيها، منها:
- بناءُ مضايقَ كبيرةٍ بتكاليفَ ماليةٍ باهظة.
- انتشارُ المهاويلْ بأشعارهمْ في الحقِ والباطلِ لدى الاحتفالات.
- إقامةُ ولائمَ ومناسباتِ مكلفةٍ في الأعراسِ والمناسباتِ الأخرى أوْ الفواتحِ تزيدُ عنْ حجمها الطبيعي.
- تحويلُ بعضِ المناسباتِ الاجتماعيةِ إلى مظاهرَ استعراضية، بديلاً عنْ توجيهِ تلكَ الأموالِ لمساعدةِ المحتاجين.
سادسا. العشائرُ والقيمُ المجتمعيةُ
إنَ دورَ المشايخِ يبقى مهما ومؤثرا، لكنهُ يحتاجُ إلى مراجعةٍ مستمرة، وتصحيح للمسار، فالقاسمُ المشتركُ الذي ينبغي أنْ يجمعَ الجميعُ يتمثلُ في:
- الالتزامُ بالقيمِ الدينيةِ والإنسانية، كما في قولهِ تعالى:( إنَ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ) (النحل: 90 ) - العملُ بما جاءَ في القرآنِ الكريمِ منْ دعوةٍ إلى الخيرِ والإصلاح، كما في قولهِ تعالى: ( ادفعْ بالتي هيَ أحسنُ) (فصلت: 34 ) .
- الابتعادُ عنْ المظاهرِ الشكليةِ والتباهي والإسرافِ في المناسبات، قالَ تعالى: ( ولا تسرفونَ إنهُ لا يحبُ المسرفونَ ) الأعراف: 31. وقالَ أيضا:( إنَ المبذرينَ كانوا إخوانَ الشياطينِ) (الإسراء: 27 ) .
- ترسيخُ مبدأِ المساواةِ بينَ الناسِ ونبذِ التفاخر، كما في قولهِ تعالى:( يا أيها الناسُ إنا خلقناكمْ منْ ذكرٍ وأنثى. . . إنَ أكرمكمْ عندَ اللهِ أتقاكمْ ) (الحجرات: 13 ) .
- التركيزُ على جوهرِ العملِ الاجتماعي، وهوَ مساعدةُ الفقراءِ والمحتاجين، كما في قولهِ تعالى:( وآتى المالُ على حبهِ ذي القربى واليتامى والمساكينِ) (البقرة: 177 ) .
- نشرُ أعمالِ الخيرِ بإخلاصِ بعيدا عنْ الرياء، كما في تعالى:( إنَ تبدوا الصدقاتُ فنعما هي، وإنْ تخفوها وتؤتوها الفقراءُ فهوَ خيرُ لكمْ) (البقرة: 271 ) .
الخاتمـــة
منْ حلالِ كلِ ما تقدم؛ في ظلِ الظروفِ الراهنةِ التي يمرُ بها العراق، برزتْ العشائرُ بوصفها قوةً فاعلةً ومؤثرةً في تعزيزِ الأمنِ والاستقرارِ على المستوى المحلي،- خصوصا- في المناطقِ التي يشهدُ فيها حضورُ الدولةِ ضعفا ملحوظا فقدْ أصبحتْ هذهِ العشائر، بما تمتلكهُ منْ نفوذٍ اجتماعيٍ وأعرافٍ راسخة، ملاذٌ للسكانِ في فضِ النزاعاتِ وتوفيرِ قدرِ منْ الحمايةِ والاستقرار، كبديلٍ مؤقتٍ عنْ دورِ الدولةِ المركزية. ورغمُ أنَ هذا الدورِ يعكسُ قدرةَ المجتمعِ العراقيِ على إدارةِ شؤونهِ ذاتيا، فإنهُ في الوقتِ ذاتهِ يسلطُ الضوءُ على هشاشةِ المؤسساتِ الرسميةِ وعدمِ قدرتها الكاملةِ على أداءِ مهامها الأمنيةِ والخدمية. وعليه، فإنَ الاعتمادَ على العشائرِ قدْ يعودُ حلا مرحليا، لكنهُ لا يمكنُ أنْ يشكلَ بديلاً دائما، مما يستدعي ضرورةَ الإسراعِ في إصلاحِ مؤسساتِ الدولةِ وتعزيزِ سلطتها على مختلفِ الأصعدة، لضمانِ تحقيقِ استقرارٍ وطنيٍ مستدام.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!