أيها الساعي في مناكب الحياة، قد تلتقي برفيقٍ كان بالأمس شعلةً من العطاء وقلمًا لا يهدأ، فإذا به اليوم غارقٌ في لُجج اللاجدوى، يسأل بحسرة: لماذا نكتب؟ ولمن؟ وما الفائدة؟. وسرعان ما يتسع ثقبُ الحيرة في روحه لينتقل من سؤال الكتابة إلى سؤال الوجود: لماذا نعيش؟ ولماذا نموت؟، فيتحول فضاؤه إلى فراغٍ موحشٍ يسكنه بمهامٍ هامشية لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
إنَّ منهاج التشخيص يكشف أنَّ القضية ليست فلسفةً معقدة أو نظرياتٍ غربية مستعصية، بل هي أبسط من ذلك بكثير؛ إنها أزمة اتصالٍ بالخالق. فحين يغيب الإيمان، تذبل المعاني، ويصبح الجهدُ عبئاً، والوقتُ عدوًا. أما المؤمن، فهو يرى الله في كل حرفٍ يخطه، وفي كل سعيٍ يبذله، مدركاً أنَّ ميزان الرب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة. إنَّ الإيمان هو الذي يربط عرق اليوم بـ أجر الآخرة، ويمنح العبد طمأنينة اليقين بأنَّه لا باطل في هذا الكون، ولا سعي يضيع سُدى.
يا رفيق القلم والعمل، إنَّ المؤمن يزرع اليوم ليحصد غداً، حتى وإن كان هذا الغد هو يوم القيامة؛ لأنَّ محركه الأساس ليس تصفيق الجمهور ولا كثيرة القراء، بل هو الامتثال لأمر مفيض الوجود. إنَّ استحضار معية الله في السعي يطرد أشباح العبثية، ويجعل من الكتابة والتأليف عبادةً جارية، كما قال تعالى في سورة النحل (الآية: 97): ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
الحياة الطيبة ليست في خلوّها من التعب، بل في وضوح الغاية منها. فلا تسمح لقطاع الطرق من بذور اليأس أن ينبتوا في أرضك، ولا تسأل عن الجدوى بمعايير الأرض المادية، بل سَل عنها بمعايير السماء الخالدة. واصل مسيرك، واكتب سطورك، وابذر بذورك؛ فما دام الله موجوداً، فإنَّ سعيك مشكور، وعملك مبرور، وأثرك باقٍ في صحائف النور.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!