يتجلّى سرّ التوفيق في كونه عطاءً إلهيًّا يسبق خطوات الإنسان ويحيط سعيه بعناية خفية، فليس التوفيق مجرد ثمرةٍ للجهد، بل هو نفحة من رحمة الله تعالى؛ تُبارك القليل فتجعله كثيرًا، وتفتح الأبواب حين تُغلق الأسباب.
وحين يتدثّر القلب بصدق النية، ويصفو القصد لله سبحانه، تتنزل على الروح معاني الطمأنينة، ويبدأ الإنسان يلمس أثر التيسير في خطواته، وكأن طريقه قد مُهّد بألطافٍ لا يراها بعينه، لكنه يشعر بها في كلّ منعطف.
إن فجر التوفيق يولد من أعماق السريرة؛ من نقاء المطالب، ومن ذلك الانكسار الخاشع الذي يرفع القلب إلى مقام الافتقار، فيتجه العبدُ إلى ربه بكلّ جوارحه. وقد أشار القرآنُ الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَل لَّهُ مَخرَجًا، وَيَرزُقهُ مِن حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: 2-3)، فالتقوى ليست مجرد عبادة، بل هو مفتاح للتوفيق، وبابٌ للفتوح التي تتجاوز حدود الجهد البشري.
ويتعاظم هذا المدد الإلهي بـ: دوام الصلة بالله عزّ وجلّ، والإلحاح في الدعاء، ومرافقة الأخيار الذين يثبتون القلوب، وقراءة الواقع بحكمةٍ تقتنص الفرص. وحين تجتمع هذه الركائز، يتحول التوفيق إلى سكينة تسكن القلب، ونورٍ يسبق الخطوات، وفتوحٍ تتتابع في مسيرة العمر.
فليكن رجاؤنا دائمًا أن يفيض الله علينا من غيث توفيقه، وأن يجعل قلوبنا معلّقةً به، نستمد منه العون في كلّ خطوة، حتى نسير في دروب الحياة بطمأنينة المؤمنين، وبصيرة الصادقين، الذين تسوقهم ألطاف الله الخفية إلى بشائر رضاه.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!