التفاوض ( Negotiation ) ، احد الممارسات المهمة لحل المشكلات ، ووسيلة للتوفيق بين المصالح المشتركة او المتعارضة ، بهدف التوصل إلى اتفاقات وحلول تؤمن حدود مقبولة لتحقيق مصالح الإطراف المعنية بالتفاوض ، ويتم التفاوض من خلال ( التحاور او النقاش او المجادلة او بالجمع بين أكثر من أسلوب ) ، ويستند التفاوض على قيام كل طرف من الأطراف المشتركة بإقناع الطرف او كل طرف من الأطراف المشاركة بوجهة نظره ، وقد يكون منشأ التفاوض ( فردي ، جماعي ، مؤسساتي ، دولي ) ، و يجب أن يرتبط التفاوض بعدد من الأهداف المحددة ، وقد تكون ( التعاون ، الاتفاق ، عدم الاتفاق ، ترك الموضوع ) ، ومن وجهة نظر القانون الدولي ، فالتفاوض يشير للوسائل التي تستخدم في سبيل التوصل إلى حل نزاع او خلاف دولي معين ، او الاتفاق على القيام بعمل والامتناع عن القيام بعمل معين ، وفي الكثير من الحالات لجأت الدول لعقد الاتفاقات وحل النزاعات والوصول إلى مستوٍ معين من التراضي والقبول ، وهو ما ينتظره العالم اليوم من نتائج في النزاع الذي أوجدته أمريكا وكيانها ضد إيران التي ترفض تحويله لمساومة على شروط .
وهناك فرق بين التفاوض والمساومة ، فالتفاوض عملية يتم بموجبها اجتماع طرفين أو أكثر لإجراء مباحثات تهدف للتوصل إلى اتفاق حول مسألة ما ، أما المساومة فإنها تتضمن مناقشة شروط الاتفاق أو تريث ما يعطيه احد أو يأخذ في عملية تحويل بينهما ، أو إنها تعني المجاذبة بين طرف وآخر على موضوع معين وفصل الحل بشأنها ، والتفاوض أوسع من المساومة وله خصائص متعددة أبرزها :
1 – التبادل ، أي الأخذ والعطاء بين إطراف المفاوضات للوصول إلى اتفاق حول مسالة أو نزاع ( إذا كانت هناك أملاءات فهي ليست مفاوضات ) .
2- تحريك كل طرف للطرف الأخر باتجاهه ، وقد تتضمن هذه التحركات تنازلات أو تعديل الهدف أو إعادة ترتيب الأهمية النسبية المعطاة للنقاط المختلفة من المسالة المثارة .
3- الضغط والتوتر ، فالتبادل بين الطرفين غير مريح ويخلق توتره يضغط على الطرفين ، وتشير كلمة التفاوض إلى عدم الراحة أي إن المفاوض يشعر بغير الراحة حتى يصل إلى اتفاق ، وعوامل الضغط نوعان ( عوامل تقف في طريق الحل ، عوامل تدفع باتجاه الحل ) .
4. الأهمية ، أي إن المفاوضات يجب إن تكون لمواضيع مهمة بحيث تتطلب جهدا جدياً ، لذلك على المفاوض التركيز على المواضيع التي تتحمل إمكانية الحصول على أفضل قيمة من الجهود المبذولة .
5. عدم التأكد ، وهذه خاصية مهمة في التفاوض وتشير لأهمية وضع خطة بناءة على الخبرات السابقة و كافية ، مما يتطلب تكريس الخبرة العالية لبناء توقعات تأخذ كل الاحتمالات بما فيها المفاجآت .
والتفاوض يجب أن يبنى على مهارات ، ومهارات التفاوض هي مجموعة قدرات تساعد على الوصول إلى اتفاق مرضٍ مع الطرف الآخر ، وذلك مهم سواء في ( العمل ، التجارة، أو حتى الحياة اليومية ) ، هذه المهارات لا تعني أن استخدامها يفضي إلى “ الفوز على الآخر” بقدر ما تعني تحقيق أفضل نتيجة ممكنة للطرفين تناسب ما حصل في النزاع، وتتطلب المهارات ( أولا : التحضير الجيد في جمع المعلومات في معرفة ما يريده المفاوض وما يريده الطرف الآخر وفي معرفة البدائل ، والتحضير القوي غالبا ما يحدد نتيجة التفاوض ، ثانيا : الاستماع الفعال ، فليس الهدف أن تتكلم أكثر بل أن تفهم أكثر والاستماع الجيد يكشف لك نقاط القوة والضعف لدى الطرف الآخر ، ثالثا : وضوح الهدف ، ويتطلب تحديد ما هو الحد الأدنى الذي لا تقبله ( خطك الأحمر)، وما هو الهدف المثالي الذي تطمح له ، رابعا : التحكم بالعاطفة ، لان التفاوض ليس ساحة انفعال ويتطلب الحفاظ على الهدوء كونه يعطي أفضلية كبيرة خصوصا عند الضغط ، خامسا : مهارة الإقناع ، والتي تتطلب استخدم المنطق والأرقام وليس فقط الآراء وربط العرض المقدم بمصلحة الطرف الآخر وليس مصلحة المفاوض فقط ، سادسا : المرونة ، التفاوض الناجح يتطلب تقديم تنازلات مدروسة في المواقف المطلوبة وليس التمسك بكل شيء ، سابعا : إدارة الوقت ، فأحيانا الوقت سلاح لان التأجيل أو الاستعجال قد يؤثر على القرار ، ثامنا : معرفة متى تنسحب ، فليس كل تفاوض يستحق الاستمرار وإذا كانت الشروط غير مناسبة فالانسحاب قرار ذكي ، تاسعا : الإدراك العالي والمسئول لما سيترتب عن نتائج المفاوضات من انعكاسات و تأثير في كل المديات .
ومن الأنواع الشائعة في التفاوض ، التفاوض الصلب والتفاوض الناعم ، وهما أسلوبان مختلفان في إدارة الحوار وتحقيق الهدف ، ولكل واحد منهما استخداماته ومخاطره .
التفاوض الصلب ( Hard Negotiation )
هو أسلوب يعتمد على الضغط والتمسك بالموقف لتحقيق أكبر مكسب ممكن ، وسماته : موقف ثابت وقليل التنازل ، استخدام الضغط ( الوقت ، البدائل ، القوة ) ، و يستخدم عندما تكون لدى المفاوض قوة تفاوضية واضحة في الصفقات قصيرة المدى إذا كان الطرف الآخر متشددا ، ومن ميزاته : انه قد يحقق مكاسب كبيرة وسريعة يظهر فيهما الحزم والقوة ، أما عيوبه : فقد يضر بالعلاقات على المدى الطويل او أن يؤدي لفشل التفاوض بالكامل ومن المحتمل أن يخلق توتر وعدم ثقة .
التفاوض الناعم ( Soft Negotiation )
أسلوب يعتمد على المرونة وبناء العلاقة أكثر من تحقيق مكسب سريع ، و من سماته ، مرونة واستعداد للتنازل والتركيز على الحفاظ على العلاقة ، لغة هادئة وتعاونية والبحث عن حلول ترضي الجميع ، ويمكن أن يستخدم في العلاقات طويلة الأمد ( شراكات ، عمل مستمر ، مصالح دائمة ) او عندما تكون العلاقة أهم من الصفقة ، ومن مميزاته : انه يبني الثقة والعلاقات ، يقلل النزاعات ، يسهل الوصول لاتفاق ، و من عيوبه : انه قد يتسبب بان يخسر المفاوض بعض حقوقه إذا بالغ في التنازل يمكن أن يستغل ذلك الطرف الآخر .
والسؤال الذي يطرح ، أيهما أفضل ؟! ، والجواب انه لا يجوز الاعتماد على نمط واحد في كل الحالات وفي كل النزاعات ، لان الاعتماد على أسلوب واحد فقط يعد خطأ مستمر يستغله الطرف الآخر ، والأفضل في الرأي الراجح ، هو الأسلوب الذكي المتوازن : حازم في الهدف ( صلب ) مرن في الوسيلة ( ناعم ) وعدم التفريط بكل ما تحقق من أهداف .


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!