كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

حين ربحت النجف الذاكرة… وخسر العراق الدولة

 في اللحظة التي قرر فيها علماء النجف مغادرة صوامع العلم والتوجه نحو خنادق البصرة ضد البريطانيين ، لم يكونوا يدافعون عن عرشٍ العثمانيين الآيلٍ للسقوط، ولا عن سلطةٍ سياسيةٍ منهكة، بل كانوا يخوضون صراعًا وجوديًا ضد هويةٍ وافدة عبر البحار, فلم تكن تلك مجرد مواجهة عسكرية عابرة ، بل كانت لحظة مفصلية يمكن وصفها بـالانفجار العظيم الذي أعاد تشكيل مجرّة السياسة العراقية لعقودٍ طويلة ، حيث التقت قداسة المبدأ بمرارة الواقع ، فوُلدت واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في التاريخ العراقي
فالعراقيون ، لم يكن يقاتلون وفق حسابات الربح والخسارة السياسية ، بل كانوا ينسجون بدمائهم أولى ملامح الوعي الوطني الرافض. غير أن هذا الوعي ، على نقائ ه، تجاهل حقيقة قاسية : أن السياسة الدولية لا تعترف كثيرًا بالطهارة الثورية ، بقدر ما تنحاز إلى موازين القوى، وتكافئ من يجيد فنّ البراغماتية الباردة 
ولم يكن هذا الموقف مجرد خطاب تعبوي، بل تُرجم إلى حضور فعلي لعدد من كبار علماء النجف الذين تصدّوا للدعوة إلى الجهاد ، ودفعوا باتجاه المواجهة أو أسهموا في تعبئة المجتمع, ففي مقدمتهم يبرز السيد محمد كاظم اليزدي ، الذي مثّل موقفًا دينيًا معقّدًا في تلك المرحلة الحساسة ، حيث حاول الموازنة بين رفض الاحتلال الأجنبي والحذر من الانخراط في مشروع الدولة العثمانية المتداعي 
إلى جانبه ، برز دور الشيخ فتح الله الأصفهاني ، الذي كان من أبرز العلماء الذين دعموا خيار المواجهة ، وأسهموا في تحفيز الناس على الانخراط في القتال ، مستندًا إلى رؤية دينية تعتبر مقاومة الاحتلال واجبًا لا يمكن التراجع عنه 
أما النموذج الأكثر حضورًا في الميدان، فكان السيد محمد سعيد الحبوبي ، الذي لم يكتفِ بالدعوة، بل خرج بنفسه إلى جبهات القتال في جنوب العراق ، متقدمًا صفوف المقاتلين ، في صورة نادرة لالتحام المرجعية بالفعل القتالي المباشر, وقد انتهت رحلته في الناصرية ، حيث توفي متأثرًا بالإرهاق والمرض ، ليغدو رمزًا لتلك اللحظة التي امتزج فيها الفقه بالبندقية، والكلمة بالموقف. 
لقد شارك عدد كبير من العلماء وطلبة الحوزة في تلك المواجهة، بعضهم سقط في ساحات القتال، وآخرون عادوا بجراحٍ جسدية ونفسية، دون أن تحفظهم السجلات الرسمية بأسمائهم جميعًا ، في ظل غياب مؤسسات التوثيق الحديثة آنذاك , وهو ما يجعل تلك التجربة أقرب إلى ملحمة شعبية مفتوحة، لا إلى حدث عسكري تقليدي مضبوط التفاصيل 
إن المتأمل في تلك الحقبة يدرك أن المرجعية لم تكن تملك ترف الاختيار بين السيئ والأفضل، بل كانت محاصرة بين احتلال أجنبي يمثّل ذروة التحدي الثقافي والديني، وبين حكمٍ إسلاميٍّ جائر,  لكنه يشكّل امتدادًا للذات التاريخية. ذلك القرار، الذي خُلّد بوصفه موقفًا بطوليًا، يمكن قراءته اليوم  بلغة السياسة  بوصفه اللحظة التي بدأت فيها النجف تفقد موقعها في معادلة السلطة الناشئة.
فبريطانيا ، التي دخلت بغداد منتصرة ، لم تنسَ من وقف في وجه زحفها. وكان ردّها الطبيعي هو إعادة هندسة نظام سياسي يُقصي أولئك الذين حملوا السلاح ضدها، ويُقرّب من قبلوا بالتسويات وهكذا نشأت فجوة عميقة بين المجتمع والدولة ، فجوة لم تكن مجرد خلل إداري، بل تحوّلت إلى أزمة ثقة مزمنة، لا يزال العراق يقف على حافتها حتى اليوم 
وهنا يبرز السؤال المؤلم : هل كان العراق يدفع ، ولا يزال  ثمن خطأ في الحسابات الاستراتيجية ؟ أم أن ما حدث كان قدرًا تاريخيًا لا يمكن تفاديه؟ الحقيقة ربما تقع في منطقة رمادية بين الاثنين , فذلك الموقف ، الذي ثبّت الهوية ومنع الذوبان في المشاريع الاستعمارية، هو نفسه الذي جعل الانخراط في الدولة الجديدة يبدو، في نظر كثيرين، وكأنه تنازل عن الثوابت.
لقد ربح الأجداد معركة  الضمير التاريخي ، لكنهم خسروا أدوات السيطرة على  الواقع الإداري . تركوا للأجيال إرثًا معقدًا: فخرًا بالمقاومة، يقابله شعور دائم بالإقصاء. ومن هنا، لم تعد المشكلة في الماضي ذاته ، بل في الطريقة التي ورثنا بها نتائجه دون أن نمتلك شجاعة إعادة تأويله.
بين قداسة المبدأ ومرارة الواقع، تتشكل واحدة من أعمق ثنائيات التجربة العراقية. فالتاريخ لا يرحم من يقرأه بعيون متأخرة، كما لا ينصف من يختزله في بطولةٍ أو خطأ, فمرجعية النجف لم تكن تلعب شطرنج السياسة، بل كانت تخوض حرب وجود، في زمنٍ لم تكن فيه قواعد اللعبة واضحة.
نحن اليوم قد نكون من ضحايا تلك اللحظة على المستوى السياسي والإداري ، لكننا  في الوقت نفسه  مدينون لها بهويتنا, فقد علمتنا كيف نقول "لا"، حتى وإن كان ثمن هذه الـ لا  قرنًا من التيه..
لقد خسرت النجف معركة الشعيبة عسكريًا، وربما خسرت موقعها في الدولة سياسيًا، لكنها ربحت شيئًا أكثر رسوخًا, الذاكرة 
وفي الشرق ، الذاكرة لا تقلّ قوة عن المدافع, بل قد تكون، على المدى الطويل، أشد تاثيرا .
*اكاديمي وكاتب مستقل 

الحبوبي.jpg

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!