هناك لحظة يصبح فيها السؤال عن أسباب التأخر أكثر إلحاحًا من الاحتفال بما أنجزناه في الماضي. فنحن شعوب لم تولد لتكون مستهلكة، ولم يُكتب عليها أن تقف طويلًا على هامش التاريخ بانتظار ما ينتجه الآخرون.
في ذاكرتنا حضارات عرفت الكتابة والحساب والطب والهندسة، وشيّدت المدن، وفتحت أبوابًا للمعرفة ما زال العالم يقرأ آثارها حتى اليوم. لكن المشكلة أن التاريخ، مهما كان عظيمًا، لا يستطيع أن ينتج حاضرًا بالنيابة عنا.
فالحضارة ليست إرثًا نعلّقه على الجدار، ولا مجدًا نستحضره كلما أردنا إثبات أننا كنا عظماء؛ الحضارة فعل مستمر. والسؤال الأكثر إيلامًا اليوم ليس: ماذا صنع أجدادنا؟ بل: ماذا نصنع نحن؟
كيف أصبحنا مستهلكين، ولماذا لا نصنع؟
لم تبدأ أزمتنا في يوم واحد، ولم يكن هناك قرار واحد نقلنا من موقع الفاعل إلى موقع المستهلك. إنها عملية طويلة تسللت إلى تفاصيل حياتنا حتى بدت طبيعية.
في البداية استوردنا السلع، ثم استوردنا الآلات، ثم استوردنا المعرفة الجاهزة، حتى أصبحنا نستورد الطريقة التي نفكر بها في مشكلاتنا. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
ليس العيب أن تستورد دولة سلعة أو تقنية لا تنتجها؛ فالاستيراد جزء طبيعي من الاقتصاد العالمي. لكن العيب أن يتحول الاستيراد من وسيلة إلى نمط حياة، ومن خيار اقتصادي إلى عجز دائم عن بناء القدرة الذاتية.
أن تحتاج إلى الآخرين في بعض الأشياء أمر طبيعي، أما أن تحتاج إليهم في كل شيء تقريبًا، ثم تتعامل مع هذا الاعتماد بوصفه قدرًا لا يمكن تغييره، فهنا تبدأ التبعية.
نحن لا نتحدث فقط عن الهاتف الذي نحمله، أو السيارة التي نقودها، أو الدواء الذي نستخدمه، وإنما نتحدث عن سؤال أعمق: كم من الأشياء التي تقوم عليها حياتنا نستطيع أن نصنعها بأنفسنا؟ وكم من الأفكار التي نستخدمها في تفسير عالمنا جاءت من عقولنا، وكم منها وصلتنا جاهزة؟
أخطر أنواع التبعية ليست اقتصادية
قد تستطيع دولة أن تشتري أحدث المعدات، وتبني أطول الأبراج، وتملأ أسواقها بالبضائع المستوردة، ومع ذلك تظل ضعيفة؛ لأن القوة لا تُقاس بما تستطيع شراءه فقط، وإنما بما تستطيع إنتاجه وفهمه وتطويره وحمايته.
فالاستقلال السياسي من دون استقلال معرفي واقتصادي يظل استقلالًا ناقصًا.
والدولة التي لا تنتج غذاءها بصورة كافية، ولا تمتلك قاعدة صناعية حقيقية، ولا تستثمر في البحث العلمي، ولا تصنع تقنيتها، ولا تملك مؤسسات قادرة على إنتاج المعرفة، ستظل مكشوفة أمام الأزمات مهما رفعت من شعارات السيادة.
لقد تغير شكل الاحتلال في العالم الحديث؛ فلم يعد من الضروري أن يأتي جيش أجنبي لاحتلال الأرض، بل يكفي أحيانًا أن تصبح عاجزًا عن الاستغناء عمّن يملك الغذاء والدواء والتقنية والطاقة والمعرفة.
والأكثر خطورة أن يصل الإنسان إلى مرحلة يقتنع فيها بأن العجز طبيعي، وأن الآخرين خُلقوا ليصنعوا، بينما خُلقنا نحن لنشتري. عندها لا تعود المشكلة في الخارج وحده، بل تنتقل إلى داخلنا.
حين يتحول التعليم إلى مصنع للذاكرة
ربما لا يوجد مكان تظهر فيه أزمتنا بوضوح أكثر من المدرسة والجامعة.
نحن نطلب من الطالب أن يحفظ، ثم نندهش عندما لا يستطيع الابتكار. نعلّمه الإجابة قبل أن نعلّمه كيف يصوغ السؤال، ونقيس نجاحه بقدرته على استرجاع المعلومات، ثم نلومه عندما يعجز عن استخدامها في حل مشكلة حقيقية.
إن التعليم الذي لا يعلّم الإنسان كيف يفكر، وكيف يشكّ، وكيف يبحث، وكيف يختبر الفكرة، وكيف يعترف بالخطأ ويصححه، لا يصنع عقلًا مستقلًا؛ وإنما يصنع ذاكرة جيدة فحسب.
والأمم لا تنهض بكثرة الحافظين، بل تنهض بكثرة الباحثين والمهندسين والمخترعين والمعلمين والأطباء والمزارعين والحرفيين ورواد الأعمال وصناع القرار الذين يستطيعون تحويل المعرفة إلى قيمة.
نحن بحاجة إلى تغيير السؤال الذي نوجهه إلى أبنائنا. فبدل أن نسأل فقط: كم حصلت في الامتحان؟ علينا أن نسأل: ما المشكلة التي تستطيع حلها؟ ماذا صنعت؟ ماذا اكتشفت؟ ما الفكرة التي اختبرتها؟ وكيف تستطيع أن تجعل شيئًا في مجتمعك أفضل؟
فالمجتمع الذي يريد مستقبلًا مختلفًا لا يستطيع أن يبني تعليمًا يشبه الماضي، ثم ينتظر نتائج تشبه المستقبل.
من أزمة الإنتاج إلى أزمة الأخلاق
الإنتاج ليس قضية مصانع وآلات فقط، وإنما هو، في جوهره، قضية أخلاق.
فالعامل الذي يحترم وقته، والمهندس الذي لا يغش في المواصفات، والطبيب الذي يتعامل مع مهنته بوصفها مسؤولية، والمعلم الذي يؤدي عمله بإتقان، والموظف الذي لا يحوّل موقعه إلى وسيلة للابتزاز، والتاجر الذي لا يخدع زبونه؛ جميعهم يمارسون فعلًا حضاريًا واحدًا هو إنتاج الثقة.
ولا يمكن بناء اقتصاد قوي في مجتمع تنهار فيه الثقة، كما لا يمكن بناء مؤسسة عظيمة إذا كان الموظف يبحث عن أقصر طريق لإنجاز أقل قدر ممكن من العمل.
ولا يمكن أن نتحدث عن النهضة ونحن نحتقر المهن اليدوية، ونرفع قيمة المظهر الاجتماعي فوق قيمة الكفاءة، ونريد نتائج عالمية بعقلية تقبل الرداءة.
الإتقان ليس ترفًا؛ الإتقان موقف أخلاقي.
والمجتمع الذي يتسامح مع العمل الرديء اليوم سيدفع ثمنه غدًا في صورة طرق تنهار، ومبانٍ تتصدع، ومؤسسات تفشل، وخدمات تتراجع، وأموال تُهدر، وأجيال تفقد ثقتها بالمستقبل.
مشكلتنا ليست أننا لا نملك المواهب
من السهل أن نقول إن المشكلة تكمن في غياب العقول، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.
في كثير من مجتمعاتنا عقول لامعة، وشباب يمتلكون طاقات كبيرة، وأصحاب مهارات، وأطباء ومهندسون وباحثون ومبرمجون وحرفيون ورجال أعمال قادرون على الإنجاز. لكن الموهبة الفردية لا تكفي.
فالعقل المبدع يحتاج إلى مدرسة جيدة، والباحث يحتاج إلى مختبر، والمخترع يحتاج إلى تمويل، والشركة تحتاج إلى قانون عادل، والمستثمر يحتاج إلى بيئة مستقرة، والموظف الكفء يحتاج إلى مؤسسة تكافئ الكفاءة، لا العلاقات.
ولهذا فإن اختزال المشكلة في كسل الناس ظلم، كما أن اختزالها في «فساد المؤسسات» وحده تبسيط.
المشكلة في المنظومة؛ فعندما تكون المنظومة مصممة بطريقة تجعل المجتهد يشعر بأن جهده لا يساوي شيئًا، والفاشل قادرًا على الوصول، والمبدع مضطرًا إلى الهجرة بحثًا عن البيئة المناسبة، فإن المجتمع يخسر شيئًا أثمن من المال: يخسر مستقبله البشري.
لماذا نقدّس المظهر؟
من أكثر المفارقات إيلامًا أننا ننفق أحيانًا طاقة هائلة على تحسين الصورة، بينما نهمل بناء الجوهر. نهتم بالواجهة أكثر من الأساس، وبالشكل أكثر من الوظيفة، وبالاحتفال بالإنجاز أكثر من صناعة الإنجاز.
قد نفتخر بمبنى جديد، لكننا لا نسأل بما يكفي عن نوع التعليم الذي سيجري داخله. ونحتفي بتقنية حديثة، لكننا لا نسأل من صمّمها، ومن يمتلك المعرفة التي تقف خلفها. ونفرح بارتفاع الاستهلاك، وننسى أن الاستهلاك المرتفع لا يعني بالضرورة وجود اقتصاد قوي.
يمكنك أن تمتلك هاتفًا متطورًا جدًا من دون أن تنتج هاتفًا واحدًا، ويمكنك أن تقود سيارة فاخرة من دون أن تصنع قطعة واحدة من مكوناتها، كما يمكنك أن تستخدم الذكاء الاصطناعي كل يوم من دون أن تمتلك شركة واحدة قادرة على تطوير نموذج منافس.
الفارق بين الحضارة والاستهلاك هو أن الحضارة تضيف شيئًا إلى العالم، أما الاستهلاك فيكتفي بأخذ ما أنتجه الآخرون.
التكنولوجيا: فرصة أخيرة أم طبقة جديدة من التبعية؟
نقف اليوم أمام تحول تكنولوجي هائل؛ فالذكاء الاصطناعي والروبوتات والتقنيات الحيوية والطاقة الجديدة والحوسبة المتقدمة تعيد جميعها تشكيل الاقتصاد والعمل والتعليم.
وهنا نجد أنفسنا أمام طريقين: إما أن نكون مجرد مستخدمين لهذه الثورة، فنشتري أدواتها، ونستهلك خدماتها، وننتظر الشركات الأخرى لتقرر مستقبلها؛ وإما أن ندخلها بوصفها فرصة تاريخية لبناء قدرة جديدة.
لا أحد يطلب منا أن نصنع كل شيء، ولا توجد دولة حديثة تستطيع الاستغناء عن العالم.
❖ كتابات في الميزان ❖
يناقش المقال الفجوة بين الاعتزاز بالماضي والعجز عن صناعة حاضر منتج، مؤكدًا أن التاريخ لا يستطيع أداء مسؤولياتنا نيابةً عنا. ويربط النهوض بإصلاح التعليم، واحترام العمل والكفاءة، وبناء المؤسسات القادرة على احتضان المواهب وتحويل المعرفة إلى إنتاج. كما يحذّر من دخول الثورة التكنولوجية بوصفنا مستهلكين فقط، بدل استثمارها فرصةً لبناء قدرة وطنية حقيقية.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!