يُعدّ حفظ القيم الأخلاقية من أهم ركائز استقرار المجتمعات، وقد حذّر الإسلام بشدة من تزيين الباطل أو مدح أهله، لما في ذلك من قلبٍ للموازين وتشجيعٍ على الانحراف. ومن أبرز مظاهر ذلك مدح الفاسق، وهو سلوك له آثار خطيرة على الفرد والمجتمع.
الفاسق في اللغة هو الخارج عن الشيء، وفي الاصطلاح الشرعي: هو من خرج عن طاعة الله بارتكاب المعاصي الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة دون توبة، قال تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (المنافقون: 6)
فالفاسق ليس مجرد مخطئ عابر، بل هو من يتجاوز حدود الله ويجاهر أو يصرّ على المعصية، فهل يدخل من سرق أموال الشعب ضمن الفسق؟ وللجواب عليه .. نعم، بل يُعدّ ذلك من أشدّ أنواع الفسق والفساد، لأن: السرقة جريمة محرّمة شرعاً، وإذا كانت من المال العام فهي خيانة للأمانة وظلمٌ للمجتمع بأكمله.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (الأنفال: 58) وقال أيضاً: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (البقرة: 188)
فمن يسرق المال العام يجمع بين السرقة والخيانة والظلم، وهو داخل في الفسق بلا شك.
ونرى أن البعض يُجوز مدح الفاسق المستولي على أموال الناس بالباطل بشتى الطرق منها المعنوية كاستقباله والقيام له في مجالس الفاتحة وتقديمه في المناسبات الاجتماعية، ومنها التأكيد على مدحه من خلال بعض الكتابات التي من شأنها رفع ذلك الشخص ودفع الاتهام عنه فلا يجوز مدح الفاسق ولا تلميعه، لأن في ذلك ، تشجيعاً على المعصية وتضليلاً للناس وإضعافاً لقيم العدالة ، بل ورد النهي الشديد عن مدح أهل الباطل، ومنها بعض الاحاديث لأهل بيت النبوة عليهم أفضل الصلاة والسلام فهذا الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : « إذا مدح الفاجر اهتزّ العرش وغضب الرّبّ وقال علي بن ابي طالب ( عليه السلام) في حديث له يقول "إذا مُدِحَ الفاسق اهتزّ العرش وغضب الرحمن"
وهذه الأحاديث تبيّن خطورة مدح المنحرفين، لأنه يمنحهم شرعية اجتماعية.
وهنا يتبين أن مدح الفاسق لا يقف عند حدّ الكلام، بل يخلّف آثاراً عميقة، وتظهر آثارها على المجتمع واولها تطبيع الفساد فيصبح الفاسد فعله مقبولاً عند الناس ، وعندها ستضيع القيم ويختلط الحق بالباطل ويُقدَّم الفاسد على الصالح، وينعكس على إحباط للصالحين، فيشعر أصحاب الاخلاق أن التزامهم لا قيمة له ومن ثم يؤدي هذا السلوك حتى وان كان غير مقصودا الى تشجيع الجريمة باعتبار المدح مكافأة معنوية تدفع الآخرين لتقليد الفاسد وسيؤدي في النهاية لتفكيك المجتمع وانتشار الظلم بين أفراده وإضعاف الثقة بين أفراده .
إن مدح الفاسق، وخاصة من يعتدي على أموال الناس أو المال العام، ليس مجرد خطأ أخلاقي، بل هو مساهمة في نشر الفساد وتقويض المجتمع. وقد شدد القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) على ضرورة رفض الظلم وعدم تزيينه، حفاظاً على القيم والعدالة.
فالواجب على الفرد أن يرفض الباطل وأهله ويدعم الصالحين ويلتزم بالحق ولو خالف هواه وبذلك يُبنى مجتمع قائم على العدالة والفضيلة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!