ظهرَ مفهومِ سياسةِ شريعة الغابِ ”تاريخيا لوصفِ عالمٍ تسودهُ القوةُ بدلَ القانون، حيثُ يفرضُ الأقوى إرادتهُ على الأضعفِ منه، دونُ اعتبارٌ لقواعدَ أوْ مبادئَ وفي السياقِ المعاصر، لمْ يعدْ هذا المفهومِ مجردُ توصيفٍ نظري، بلْ باتَ يستخدمُ لتحليلِ سلوكِ بعضِ القوى الكبرى في النظامِ الدولي،- خصوصا- حينُ تتجاوزُ القوانينُ الدولية، وتتصرفَ وفقَ منطقِ المصالحِ الضيقة.
منذُ تأسيسِ الأممِ المتحدةِ عامَ 1945، حيثُ شرعَ ميثاقُ الأممِ المتحدةِ كإطارٍ قانوني، يهدفَ إلى منعِ الحروبِ وحمايةِ الشعوبِ وسيادةِ الدول، وتعزيزَ التعاونِ الدولي، غيرَ أنَ التطبيقَ العمليَ لهذا الميثاقِ ظلَ مرهونا بإرادةِ الدولِ الكبرى، التي تمتلك- في كثيرٍ منْ الأحيان- القدرةُ على تجاوزهِ أوْ تفسيرهِ بما يخدمُ مصالحها.
في هذا السياق، يشار كثيرا إلى سياساتِ الولاياتِ المتحدةِ في منطقةِ الشرقِ الأوسط، حيثُ شهدتْ المنطقةُ تدخلاتٍ عسكريةً متعددةً منذُ مطلعِ القرنِ الحادي والعشرين، أبرزها حربُ العراقِ 2003، وحاليا الحربَ الطاحنةَ بينَ إيران منْ جانب، وأمريكا وحليفها الكيانِ الصهيونيِ منْ الجانبِ الثاني.
إنَ هذهِ التدخلات، التي بررتها واشنطن بأسبابِ أمنيةٍ أوْ سياسية، اعتبرها منتقدونَ خروجا عنْ الشرعيةِ الدولية، خاصةً في ظلِ غيابِ توافقٍ واسعٍ داخلَ مجلسِ الأمن، في المقابل، برزتْ روسيا كقوةٍ دوليةٍ تسعى لإعادةِ تثبيتِ نفوذها، وكانَ أبرزُ تجلياتِ ذلكَ الغزوِ الروسيِ لأوكرانيا 2022، والحربُ العسكريةُ المستمرةُ ليومنا هذا.
لقد أعاد هذا الحدث إلى الواجهةِ مخاوفَ منْ عودةِ الصراعاتِ الكبرى، حيثُ يعد انتهاكا واضحا لمبدأ سيادةِ الدول، وأثارَ ردودُ فعلٍ دوليةٍ واسعة، لكنها بقيتْ محدودةً التأثيرِ في ردعِ التصعيد. إنَ ما يجمعُ بينَ هذهِ الأحداث، في نظرِ العديدِ منْ المحللين، هوَ غلبةُ منطقِ القوةِ على منطقِ القانون، فالدولُ العظمى، بحكمِ قدراتها العسكريةِ والاقتصادية، تستطيعَ فرضَ وقائعَ على الأرض، مستفيدةً منْ ضعفِ آلياتِ الردعِ الدولية، والانقساماتُ داخلَ مجلسِ الأمنِ الدولي.
إنَ هذا الواقعِ يخلقُ انطباعا بأنَ النظامَ الدوليَ لا يطبقُ بالتساوي، بلْ يخضعُ لموازينِ القوى. معَ ذلك، فإنَ توصيفَ المشهدِ بسياسة“ شريعة الغابِ ”بشكلٍ مطلق، قدْ يغفلُ تعقيداتٍ أخرى، فهناكَ أيضا شبكاتٍ منْ المصالحِ المتبادلة، ومؤسساتُ دولية، وضغوط دبلوماسية، تلعبَ دورا في الحدِ منْ الانفلاتِ الكامل. إنَ العديدَ منْ الدول، رغمَ ضعفها النسبي، لا تزالُ قادرةً على التأثيرِ منْ خلالِ التحالفاتِ أوْ القانونِ الدوليِ أوْ الرأيِ العامِ العالمي.
في المحصلة، يعكسَ مفهوم“ سياسةِ شريعة الغابِ" في صورتهِ المعاصرةِ أزمةَ ثقةٍ في النظامِ الدولي، أكثرَ مما يعكسُ انهيارهُ الكامل. فالعالمُ لا يخلو منْ القواعد، لكنهُ يعاني منْ عدمِ تكافؤٍ في تطبيقها، والتحدي الحقيقيُ يكمنُ في إعادةِ التوازنِ بينَ القوةِ والقانون، بحيثُ لا تبقى العدالةُ الدوليةُ رهينةً لإرادةِ الأقوياء، ولا تتحولُ العلاقاتُ الدوليةُ إلى ساحةٍ مفتوحةٍ لصراعٍ بلا نظامٍ أوْ قانون.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!