في العراق صار الانتظار مهنة وطنية غير معلنة ، ننتظر الكهرباء حتى يأتي الشتاء وننتظر الماء حتى يغرقنا المطر ، وننتظر الحكومة حتى تشيخ الوعود في أفواه السياسيين .
منذ اعلان نتائج الانتخابات والشعب العراقي يعيش حالة ترقب ، تشبه وقوف مريض امام باب غرفة العمليات وهو لا يعرف هل سيخرج له طبيب ام سمسار ، الشارع يراقب الاجتماعات والتحالفات والتفاهمات والابتسامات الطويلة امام الكاميرات ، لكنه لا يرى شيئا يطمئن القلب او يجيب عن السؤال الاكثر بساطة ، هل ستولد حكومة تشبه معاناة الناس فعلا ، ام انها ستكون مجرد تدوير جديد للوجوه والخيبات .
العراقي لم يعد يحلم بالمعجزات ، كل ما يريده حكومة لا تتعامل مع الوطن كغنيمة ، ولا مع الوزارات كأنها مزارع خاصة ، يريد مسؤولا لا يكتشف الشعب بعد عامين انه كان مجرد صورة رسمية ، تتحدث بالفصحى وتسرق بالعامية .
المشكلة ان المواطن اصبح يخاف من لحظة اعلان الحكومة ، اكثر من خوفه من تأخرها ، لأن التجارب السابقة علمته ان المخاض الطويل لا يعني دائما مولودا سليما ، فكم من حكومة دخلت علينا بالزغاريد ، وخرجت علينا بسيارات مكافحة الشغب ،
وكم من مسؤول اقسم بالله العظيم ،ثم تعامل مع القسم وكأنه اعلان تجاري قابل للتجاوز .
وفي زاوية ساخرة من المشهد يقف العراقي ، حاملا مسبحته وهاتفه وقائمة ديونه ، وهو يراقب نشرات الاخبار كمن ينتظر نتيجة فحص مختبري خطير ، كلما ظهر سياسي وقال اقتربنا من الحسم شعر المواطن ان الحسم ابتعد خمسين سنة ضوئية ،
حتى بات البعض يعتقد ان الحكومة العراقية لا تتشكل بل تتخمّر مثل المخللات ، وتحتاج الى سنوات كي تصبح صالحة للاستعمال السياسي .
الناس لا تريد حكومة خارقة ، بل تريد دولة تشبه البشر ، وظيفة لا تحتاج واسطة ، مستشفى لا يقتل المريض قبل المرض ، شارعا لا يتحول الى نهر عند اول قطرة مطر ، وكهرباء لا تأتي على شكل زيارة عائلية قصيرة .
العراق اليوم لا تنقصه الثروات ولا الكفاءات ، بقدر ما تنقصه النية الصادقة ،
فالشعب الذي تحمل الحروب والجوع ، والانقسامات ما زال قادرا على الصبر ، لكنه بدأ يفقد ثقته بكل ولادة سياسية جديدة ، لأن الخوف الاكبر ليس من تأخر الحكومة
بل من ان تأتي اخيرا ثم يكتشف الناس ان كل هذا المخاض ، لم يلد سوى فأر جديد ، يرتدي ربطة عنق ويتحدث باسم الوطن .
نصيحة مهمة الوطن لا تنقصه الحكومات ، بل تنقصه ولادة واحدة لا تخرج من رحم المحاصصة .


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!