تُعدّ ظاهرة الفساد من أخطر المشكلات التي تواجه الأنظمة الحكومية والدول، لما تسببه من أضرار جسيمة تمسّ مؤسسات الدولة والمجتمع على حدّ سواء. فالفساد لا يقتصر تأثيره على هدر المال العام فقط، بل يمتد ليُضعف قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية ويُفقر شعبها، مما يؤدي مع مرور الوقت إلى انتشار الظلم والتمييز الطبقي وتراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية. وتشير تقارير منظمة الشفافية الدولية إلى أن الدول ذات مستويات الفساد المرتفعة تعاني من تراجع ملحوظ في مؤشرات التنمية البشرية والاستثمار الأجنبي. ورغم وجود قوانين وهيئات رقابية معنية بمكافحة الفساد، إلا أنّ هذه الظاهرة ما زالت مستمرة ومتغلغلة عبر أساليب ملتوية ومتجددة، الأمر الذي يتطلب اعتماد آليات حديثة وواضحة للحد منها.
ومن أبرز الآليات المقترحة لمكافحة الفساد اعتماد الأتمتة الإلكترونية في التعاقدات الحكومية، من خلال إنشاء منصة ذكية موحدة تُرفع عليها جميع أوليات المشاريع والعقود، ولا سيما المشاريع التي تتجاوز قيمتها عشرة مليارات دينار، وهو حدّ يُحدَّد وفق معايير الخطورة المالية والحجم القطاعي لكل وزارة. وتُلزم هذه المنصة الدوائر الحكومية بالإعلان عن المشاريع بشفافية كاملة، مع نشر تفاصيل الأسعار وفتح العطاءات وآليات الإحالة، بحيث تكون جميع الإجراءات متاحة للرقابة الإعلامية والشعبية والبرلمانية. فضلاً عن ذلك، ينبغي ربط هذه المنصة بأنظمة الذكاء الاصطناعي للكشف التلقائي عن الأنماط المشبوهة في العطاءات، كالتسعير المتقارب بين شركات مختلفة أو التكرار غير المبرر لنفس المتعاقدين. إنّ هذا النوع من الشفافية يسهم في تقليل فرص التلاعب والمحسوبية، ويعزز ثقة المواطنين بآليات الإنفاق العام.
كما تبرز أهمية المتابعة المبكرة والمستمرة للمشاريع من قبل الجهات الرقابية، مثل هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية، منذ السنة الأولى لتنفيذ المشروع. فالمشكلة القائمة حالياً تتمثل في أنّ العديد من ملفات المشاريع لا تُراجع إلا بعد مرور عشر سنوات أو أكثر، وعندها تُطلب الأوليات والمستندات بعد أن تكون قد فُقدت أو تعرّضت للتلاعب. وفي أحيان كثيرة تكون الأموال قد سُرقت أو هرب منفذو المشاريع، أو نُفذت الأعمال بمواصفات مخالفة لما هو متفق عليه، ثم طُمست معالم المخالفات، خصوصاً في مشاريع البنى التحتية والإعمار. ولمعالجة هذا الخلل، يُقترح اعتماد نظام "بطاقة الأداء الدورية" لكل مشروع، تُصدر كل ستة أشهر وتتضمن نسبة الإنجاز الفعلي مقارنةً بالمخطط، ومستوى الإنفاق مقابل الموازنة المرصودة. لذلك فإن الرقابة المبكرة تُمكّن من كشف الأخطاء والتجاوزات في وقتها قبل استفحالها وتحولها إلى قضايا يصعب معالجتها لاحقاً.
ومن المهم الإشارة إلى أنّ بعض التجارب السابقة أظهرت نتائج أكثر انضباطاً في إدارة المشاريع الحكومية. ففي الفترة بين عامي 2006 -2010، لم يكن الفساد بالمستوى الذي وصل إليه لاحقاً، وذلك بسبب وجود لجنة اقتصادية تضم نائب رئيس الوزراء ووزراء المالية والتخطيط ومحافظ البنك المركزي وآخرين، وكانت هذه اللجنة تتولى دراسة المشاريع الكبيرة المقدمة من الوزارات والمحافظات والموافقة عليها. إلا أنّ هذه اللجنة أُلغيت لاحقاً، الأمر الذي فتح المجال أمام الوزارات والمحافظات لإطلاق مشاريع شابها الفساد. وهذا يدل على أن المؤسسية في اتخاذ القرار، لا الأشخاص وحدهم، هي الضمانة الحقيقية للحد من الفساد.
وفي الختام، فإن مكافحة الفساد لا تتحقق بالشعارات أو القوانين وحدها، بل تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية مقرونة بأنظمة رقابية حديثة تعتمد الشفافية والتكنولوجيا والمتابعة المستمرة. غير أن أبرز العقبات تكمن في مقاومة المستفيدين من الوضع الراهن، وهو ما يستدعي بناء تحالف مجتمعي واسع يضم منظمات المجتمع المدني والإعلام والقضاء المستقل. كما أن إشراك الرأي العام في مراقبة المشاريع الحكومية يمثل خطوة مهمة لبناء دولة مؤسسات قادرة على حماية المال العام وتحقيق العدالة والتنمية المستدامة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!