كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

ليلة عيد الأضحى المبارك ١٤٤٧هـ .

تشرفت صبيحة اليوم الثلاثاء يوم عرفة بزيارة مدينة كربلاء المقدسة ، فبعد الدعاء لكم بالتوفيق والسداد وصلاح الأحوال وقضاء الحاجات ، لاحظت التوافد المليوني الكبير للمؤمنين والمؤمنات ومن مختلف البلدان والمحافظات العراقية ، وقد رأيت المرأة المريضة والرجل العاجز عن السير والصبي المتعب كلهم جاءوا لإحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) على الرغم من الحرارة اللاهبة والأجواء المتعبة فالطرق مزدحمة والمسافة بعيدة ، شاهدتُ جموعًا مليونية وهي لائذة بالمرقد الشريف للإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام) داعيةً الله سبحانه أن يفرّج عن هذه الأمة ، ففي كل زاوية من المدينة ترى الراكع والساجد ومن سالت دموعه على خديه فكانت -حقًا- مناظر روحانية مهيبة ، وقد خلّف هؤلاء المؤمنون خلفهم المشاغل والدنيا وملذاتها العابرة وهمومها المتعبة وتحمّلوا المشاق لأجل إحياء هذه الشعيرة العظيمة ، وقد شاهدتُ آلاف المؤمنين والمؤمنات وهم يفترشون الأرض منهم من كان رافعًا يده للسماء لاهجًا بذكر الله ومنهم من سالت دموعه على خديه خوفًا من الله ، ومنهم من أدّى صلاته لله تحت أشعة الشمس اللاهبة ، فجزا الله المؤمنين خيرًا على تحملهم المصاعب والمشاق وإفراغ أنفسهم لإحياء مناسبات أهل البيت عليهم السلام ، ومما زادني إعجابًا رؤية  بعض المتشرفين بالخدمة وهم من كبار سن ممن يخدم بعينٍ واحدة او بيدٍ واحدة فتعجبت من هذا المنظر المهيب ، فكيف بالشيخ الكبير وهو يحتاج لمن يخدمه ويهتم بحاله ، ان يخدم ملايين الزائرين ؟ بل من دفع هؤلاء المؤمنين ان يأتوا من مدنهم البعيدة ويتحملوا تعب السفر والأجواء اللاهبة والبعد عن الأهل والديار للقدوم إلى كربلاء المقدسة بهذه الصورة المهيبة ؟
 
نعم قد صدق أئمتنا (عليهم السلام) حين قالوا : (رَحِمَ اللهُ شِيعَتَنا خُلِقُوا مِنْ فَاضِلِ طِينَتِنا وَعُجِنوا بِمَاءِ وِلايَتِنا يَحْزَنونَ لِحُزْنِنا وَيَفرَحونَ لِفَرَحِنا) .
 
فمحبة أهل البيت (عليهم السلام) وتمسك المؤمنين بثقافتهم وعقيدتهم هي التي دفعتهم لتحمل الحر والبرد والقتل والتشريد والتعب والنصب من أجل الحضور عندهم وإحياء أمرهم.
 
فهؤلاء الشيعة قد لبّوا دعوة إبراهيم الخليل حين قال : (فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ) وجاءوا من مختلف بلدانهم على الرغم من مشاغلهم الكثيرة لإحياء ذكر أهل البيت (عليهم السلام).
 
فجزا الله المؤمنين خيرًا كثيرًا على إهتمامهم بإحياء هذه المناسبات وبذلهم الجهد والوقت والمال من أجلها، وان أكثر ما يشغل فكري في كل مرة أتشرف فيها بإحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) وإحياء مناسباتهم هو أن الغالبية العظمى من الزائرين هم من كبار السن ، فبعد رحيلهم الحتمي عن هذه الدنيا من سيُحيي هذه الشعائر بهذه الصورة المهيبة ؟ ومن سيهتم بالمواكب ودعمها ؟ وفي كل مرة اتأمل قول سيدنا الحكيم (قدس سره) حين قال : (أنه لا يخاف على المذهب، فإنه محروس بعين الله تعالى وموعود بالنصر، ولكن خوفه على بعض الشباب المؤمن الذي قد ينحرف عن الصراط المستقيم فيخسر دينه، وقد لا يوفق إلى التوبة والرجوع) ، فالمطلوب من الجيل القادم أخذ الخبرة والعبرة من الجيل الحالي والإهتمام بهذه المناسبات فهي عزّنا وثقافتنا التي خلدتنا طوال هذه المدة.
 
نرجو من الباري جلّت آلاؤه أن يوفقنا للتمسك بنهج أئمتنا (عليهم السلام) ولا يحرمنا من التشرف بخدمتهم وزيارتهم واللوذ بمشاهدهم المشرّفة وأن يتقبل منا ذلك ويجعله خالصًا لوجهه الشريف.
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

زيارة_عرفة.jpg

 
 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!