كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

إشكالية الوعي المصدري لدى الباحثين

 تُعدُّ قضية الوعي المصدري من أبرز الإشكاليات التي تواجه شريحة واسعة من الباحثين المعاصرين، ولا سيما في المراحل الأولى من مسيرتهم البحثية , والمقصود بالوعي المصدري امتلاك الباحث معرفةً دقيقةً بالمصادر المرتبطة بموضوع دراسته، من حيث التعرف على المؤلفات التي تناولت الموضوع، والإحاطة بتسلسلها الزمني، والتمييز بين قيمتها العلمية ووظيفتها المعرفية، فضلاً عن القدرة على الرجوع إليها واستثمارها بصورة منهجية في بناء البحث العلمي.
ولا يقتصر الوعي المصدري على مجرد معرفة أسماء الكتب والمراجع، بل يتجاوز ذلك إلى إدراك طبيعة كل مصدر وخصائصه العلمية ومنهجه في معالجة المادة المعرفية , فالباحث الواعي يدرك أن المصادر التي تنتمي إلى حقل معرفي واحد قد تختلف اختلافاً جوهرياً في أهدافها ومناهجها ومضامينها، الأمر الذي ينعكس على طبيعة الإفادة منها وكيفية توظيفها في البحث.

فعلى سبيل المثال، عند التعامل مع المصادر اللغوية، ينبغي للباحث أن يلتفت إلى أن وحدة الموضوع العام لهذه المصادر ـ والمتمثل في خدمة اللغة العربية وضبط مفرداتها ودلالاتها ـ لا تعني تطابقها في المنهج والمحتوى , فبعض المعاجم اعتمدت الاستشهاد بكلام العرب من الشعر والأمثال، وبعضها ركز على النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة في بيان الدلالات اللغوية، في حين اهتمت مصادر أخرى بتتبع استعمالات الفقهاء والأصوليين للمصطلحات وتطوراتها الاصطلاحية.
ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين المعاجم اللغوية الكبرى، مثل كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس، والقاموس المحيط للفيروزآبادي؛ إذ إن لكل واحد من هذه المؤلفات غايةً علميةً ومنهجاً خاصاً في عرض المادة اللغوية وتحليلها , فالتعامل معها بوصفها مصادر متماثلة يؤدي إلى قصور في الاستفادة منها، بينما يسهم إدراك خصائصها المنهجية في توظيفها توظيفاً علمياً دقيقاً يخدم أهداف البحث ويعزز نتائجه.
وعليه فإن تنمية الوعي المصدري تمثل خطوة أساسية في بناء شخصية الباحث، لأنها تمكنه من حسن اختيار مصادره، وتساعده على توظيفها وفق وظائفها العلمية الحقيقية، وتجنبه الوقوع في الخلط بين المصادر المختلفة أو الاعتماد على مصادر لا تحقق الغاية المرجوة من البحث.

الوعي_المصدري.jpg



التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!